الديمقراطيون بحاجة إلى برنامج حُكم محدّد
منذ عودة ترامب إلى الرئاسة إنشغل أعضاء الحزب الديمقراطي، ولهم كل الحق في ذلك، بانتقاد ممارساته الجامحة للسلطة. ونظرًا لتجاوزات ترامب على كلّ معايير الحياة السياسية والثقافية والإقتصادية في أمريكا تقريبًا، فمن المستحيل على الديمقراطيين استنفاد كل الإنتقادات التي يمكنهم توجيهها لترامب والحزب الجمهوري الذي مكّنه من ذلك. ومع استعدادهم لانتخابات التجديد النصفي، سيكون من الطبيعي أن يستمر الديمقراطيون في إظهار استيائهم من تجاوزات ترامب الصارخة، وأن ينخرطوا في حملات تحريضية ضد الجمهوريين، وأن يهددوا بعزل ترامب في حال فوزهم بأغلبية مجلس النواب في انتخابات التجديد النصفي.
لكن هذه ستكون استراتيجية خاطئة تمامًا، بل وستؤدي حتما ً إلى نتائج عكسية.
وحدة الهدف
بدلاً من ذلك، يجب على الديمقراطيين السعي جاهدين لحشد الدعم السياسي والإقتصادي فيما يتعلّق بكل أمريكي، بغض النظر عن تنوعه العرقي والسياسي والإجتماعي، ممن شعروا بخيبة أمل عميقة إزاء سياسات ترامب الشائنة. يجب على الديمقراطيين بذل كل ما في وسعهم للتخفيف من حدة الإستقطاب المتفاقم الذي ينهش البلاد والذي يشجعه ترامب الذي يتبع مبدأ فرّق تسد.
وعلى وجه الخصوص، يجب على الديمقراطيين تهدئة الخطاب الحاد وإدانة العنف السياسي في جميع أنحاء البلاد وتعزيز الحوارات المدنية العابرة للأحزاب وعقد لقاءات عامة ومنتديات نقاشية على الصعيد الوطني وإعادة صياغة المحتوى الإعلامي المثير للإستقطاب.
يجب على الديمقراطيين التصدي لسياسات ترامب الإقتصادية والإجتماعية الفاشلة والتركيز على وضع برنامج عمل ملموس ومحدّد المعالم وقابل للتنفيذ (يحظى بدعم الحزبين كلما أمكن) يُخاطب جميع شرائح الحزب الديمقراطي ويستقطب المستقلين ويحظى بتأييد متزايد من الجمهوريين المعتدلين وذوي التوجه يمين الوسط في الكونغرس والذين يسعى الكثير منهم لإعادة انتخابهم وهم غير راضين بشكل ملحوظ عن أداء ترامب الفوضوي. معًا يمكنهم إيجاد أرضية مشتركة ومعالجة أهم القضايا التي تواجه الأمة، شريطة أن يفكروا بشكل إبداعي لمعالجة القضايا الأكثر أهمية.
التفاوت الاقتصادي
يعاني معظم الأمريكيين من ضائقة اقتصادية. ويحتاج الديمقراطيون إلى خطة اقتصادية واضحة وقابلة للتنفيذ لمواجهة غلاء المعيشة. يجب توفير إعانة تلقائية للأطفال، بما في ذلك توسيع نطاق الإعفاء الضريبي للأطفال للحد مباشرة من فقر الأطفال وتوفير استقرار سكني من خلال منع عمليات الإخلاء القسري.
يتفاقم التفاوت الإقتصادي في الولايات المتحدة وأصبحت القدرة على تحمل تكاليف السكن قضية وطنية ملحة. من الضروري السعي إلى حل يحظى بدعم الحزبين، كلما أمكن ذلك، لمعالجة أزمة غلاء المعيشة. سيكون من الضروري خفض الدعم الحكومي للشركات وسنّ نظام ضريبي عادل وترشيد الإنفاق الضريبي.
يجب على الديمقراطيين تبني سياسات تستثمر مباشرةً في التعليم العام وتخفيف أعباء ديون الطلاب. ينبغي عليهم توفير إعفاءات ضريبية موجهة للأسر ذات الدخل المحدود مع الحفاظ على حوافز العمل ومكافحة التلاعب بالأسعار وحماية الضمان الإجتماعي والرعاية الصحية (Medicare) وتعزيز فرص العمل ذات الأجور المجزية من خلال مشاريع البنية التحتية والطاقة النظيفة في جميع المجتمعات.
والأهم من ذلك أن يطرح الديمقراطيون هذه الأجندة الإقتصادية جنبًا إلى جنب مع سياسة ترامب الإقتصادية الكارثية لتوفير مقارنة واضحة للجمهور ولإظهار عملية فعّالة وقابلة للتنفيذ لتحقيق منفعة عامة ملموسة.
إصلاح قوانين الهجرة
لقد تأخر إصلاح شامل لقوانين الهجرة. بُنيت هذه الأمة على أيدي المهاجرين، ولا تزال بحاجة إليهم للنمو والإزدهار. وبغض النظر عن التجارب السابقة، يمكن للديمقراطيين والجمهوريين المعتدلين وضع مشروع قانون هجرة مشترك بين الحزبين قائم على نظام ذي مسارين: أولًا، تأشيرات قائمة على المهارات، وثانيًا، تأشيرات زراعية/خدمية مُبسّطة. من شأن ذلك تحديث الهجرة القانونية لتتماشى مع نقص العمالة في مختلف المجالات، بغض النظر عن بلد المنشأ أو العرق أو الأصل الإثني.
ثانيًا، يجب أن يكون تأمين الحدود بتقنيات مبتكرة وإنفاذ عادل على رأس الأولويات. ينبغي وضع إطار عمل يشمل المؤهلات والإسكان والإجراءات الخاصة بطالبي اللجوء، إلى جانب حل دائم لبرنامج العمل المؤجل للمهاجرين الصغار(DACA). كما ينبغي تطوير عملية ترحيل مُحكمة تمنع انتهاكات حقوق الإنسان، مع مراعاة ضرورة توفير مسار مستحق للحصول على الجنسية للمهاجرين الملتزمين بالقانون.
إعادة هيكلة الرعاية الصحية
الرعاية الصحية ليست امتيازًا، بل هي حق من حقوق الإنسان. ينبغي على الديمقراطيين اقتراح إنشاء مجلس فني من الحزبين للبناء على قانون الرعاية الصحية الميسرة، وتجريد هيكله من الطابع السياسي، وتركيز المفاوضات على الأداء القابل للقياس. من شأن ذلك حماية برنامج Medicaid وضمان حصول النساء وسكان المناطق الريفية على الرعاية الأساسية.
تشمل المقترحات الأخرى إنشاء “اتفاقيات اختيار” تديرها الولايات بحيث تسمح للولايات بالاختيار بين نماذج تغطية مختلفة – منافسة خاصة منظمة، أو خيار عام، أو زيادة الإنفاق – طالما أنها تفي بأهداف التغطية الوطنية المشتركة للجميع. يُعدّ تحديد سقف للتكاليف التي يتحملها الأفراد مباشرةً، لا سيما تكاليف الأدوية وأقساط التأمين، والإستمرار في حماية التغطية الصحية للأمراض المزمنة، حيث يُعتبر هذا أمرًا بالغ الأهمية.
تغيّر المناخ
يجب على الديمقراطيين اقتراح إنشاء اتفاقية بين الولايات للتنافس على الريادة في مجال الطاقة. أي ولاية تفي طواعيةً بمعيار متفق عليه لكثافة الكربون تحصل تلقائيًا على حوافز ضريبية للصناعات النظيفة وحسابات مالية محلية لدعم التحوّل الوظيفي من الوقود الأحفوري. وفي حين أن عددًا قليلًا من الولايات المحافظة ينكر خطورة تغيّر المناخ الذي يُعاني منه ملايين الأمريكيين، إلا أنه لا يُمكنها رفض مثل هذا الدعم الإقتصادي.
يُمكن للولايات المحافظة إعطاء الأولوية للطاقة النووية واحتجاز الكربون والمفاعلات المعيارية الصغيرة، بينما يُمكن للولايات التقدمية التركيز على مصادر الطاقة المتجددة، ويُمكن لكلا الطرفين الإبلاغ عن بيانات انبعاثات موحدة. سيُساهم الإستثمار في كفاءة الطاقة المنزلية وتوسيع نطاق وظائف الطاقة النظيفة من خلال تقديم إعانات لمستخدمي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ودعم المزارعين والبلدات الصغيرة في التكيّف مع آثار تغيّر المناخ ستساعد جميعها في خفض فواتير الخدمات، وهو مصدر قلق بالغ في الوقت الراهن.
الحد من العنصرية الممنهجة
يجب على الديمقراطيين وضع صيغ تستهدف كلاً من الفئات التي عانت تاريخياً من التمييز والمناطق المحرومة باستمرار مع دمج معايير تراعي العرق وأخرى لا تراعيه وذلك لتوسيع نطاق برامج المشاركة في مجال الشرطة والإقراض السكني. كما يجب توسيع نطاق خدمات الحد من العنف وخدمات الصحة النفسية المجتمعية، فضلاً عن الإستثمار في الأحياء والمدارس المهمّشة عبر جميع الأعراق. ويتعين على الديمقراطيين التدخل لتضييق الفجوات العرقية وتعزيز حقوق التصويت وإنفاذ سياسات مكافحة التمييز والإستعداد لمواجهة أي محاولة من ترامب للتدخل في الإنتخابات.
إن سياسة ترامب الداخلية والخارجية الفوضوية وغير المثمرة وتراجع شعبيته تمنح الديمقراطيين أفضلية واضحة في انتخابات التجديد النصفي. إلا أن ذلك لن يكون كافياً للفوز بالإنتخابات، لا سيما في مجلس النواب.
يجب على الديمقراطيين الإصغاء جيداً لاحتياجات الجمهور من حيث الإستقرار الإقتصادي ومستقبل أفضل وأكثر ازدهاراً وأماناً، وإعادة بناء الثقة في الحكومة التي أهدرها ترامب بشدة.