All Writings
سبتمبر 25, 2026

الضرورة الفلسطينية: إقامة الدولة تتطلب استراتيجية لا شعارات

يظل حلّ الدولتين المسار الوحيد القابل للتطبيق لتحقيق السلام، إلا أنه لن يتحقق بمجرد تغيرات في السياسة الإسرائيلية؛ إذ يتعين على الفلسطينيين إجراء تحول استراتيجي عميق – يرتكز على الوحدة والإصلاح المؤسسي ونبذ العنف – لجعل قيام الدولة أمراً ذا مصداقية وقابلاً للتحقق.

كتبتُ باستفاضة على مدى عقود عن الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، وطرحتُ دائماً فرضية جوهرية مفادها: لن يحقق أي من الإسرائيليين أو الفلسطينيين الأمن أو الكرامة أو الإستقرار الدائم دون حلّ الدولتين. إن تحقيق أمن مطلق لإسرائيل أمر مستحيل طالما حُرم الفلسطينيون من حقهم في الدولة، تماماً كما أن التطلعات الفلسطينية للسيادة ستظل غير محققة ما لم تتم معالجة المخاوف الأمنية المشروعة لإسرائيل؛ فمصير الشعبين مرتبط ارتباطاً وثيقاً لا انفصام فيه.

وفي هذا السياق، أدنتُ مراراً وتكراراً السياسات الإسرائيلية، ولا سيما الإحتلال المستمر منذ ما يقرب من 58 عاماً. فقد أدى التوسع الإستيطاني المتواصل بلا هوادة والإستيلاء على الأراضي الفلسطينية والتساهل مع المستوطنين المتطرفين الذين يرهبون المجتمعات الفلسطينية والتجريد الممنهج للفلسطينيين من إنسانيتهم إلى القضاء تقريباً على أي ثقة فلسطينية في إسرائيل. وقد توجت هذه الحقائق بالهجوم المروّع الذي شنته حركة حماس في 7 أكتوبر 2023، وما تلاه من حرب عسكرية إسرائيلية في غزة وصفها العديد من المراقبين والباحثين الموثوقين بأنها تنطوي على أبعاد ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.

لقد بذلت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بقيادة رئيس الوزراء نتنياهو، كل ما في وسعها لعرقلة عملية سلام قابلة للحياة. فخلال فترة هيمنته السياسية التي امتدت لنحو عقدين، انتهج نتنياهو استراتيجية تهدف إلى منع قيام دولة فلسطينية. وكان جوهر هذا المسعى هو نهج “فرّق تسد”، من خلال تمكين حركة حماس في غزة وإضعاف السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، مما يضمن عدم بروز قيادة فلسطينية موحدة قادرة على المطالبة بإقامة الدولة.

ومع ذلك، فإن الإقرار بالمسؤولية الكبيرة التي تقع على عاتق إسرائيل لا يعفي الفلسطينيين من إخفاقاتهم الخاصة؛ فقد عانت الحركة الوطنية الفلسطينية من الإنقسام الداخلي وضعف الحكم والفساد المستشري وسوء التقدير الإستراتيجي. والأهم من ذلك كله، أنها فشلت في إثبات – سواء للإسرائيليين أو للمجتمع الدولي – أنها ملتزمة تماماً بالسلام الإسرائيلي – الفلسطيني القائم على حل الدولتين.

لم يُسهم العنف -مهما كانت المبررات المساقة له- في الدفع بالقضية الفلسطينية قدماً؛ بل على العكس من ذلك، فقد عزّز مراراً وتكراراً من قوة االفصائل والتيارات الإسرائيلية المتشددة ووفّر ذريعة لعمليات إنتقامية غير متكافئة وفاقم من معاناة الفلسطينيين. ونظراً للتفوق العسكري الإسرائيلي الساحق، فقد أثبتت المقاومة المسلحة أنها لم تكن غير مجدية فحسب، بل شكّلت أيضاً فشلاً استراتيجياً. إن الطريق نحو إقامة الدولة لا يمكن أن يُعبَّد بالعنف، بل يجب أن يُبنى على الشرعية السياسية والإصلاح المؤسسي والإنخراط الدبلوماسي المستمر -سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشرعبر وساطة طرف معني بإنهاء الصراع.

وإذا ما أراد الفلسطينيون تغيير مسار هذا الصراع، فعليهم تبني استراتيجية جديدة جذرياً، ترتكز على التحوّل الداخلي والمصداقية أمام العالم الخارجي؛ وهو ما يتطلب اتخاذ سلسلة من الخطوات الملموسة والمنسقة.

أولاً، يتعيّن على الفلسطينيين نبذ العنف – ورغم أن هذا الطرح قد يبدو غير مستساغ، لا سيما في ظل ممارسات إسرائيل العنيفة والمروعة ضد الفلسطينيين – إلا أن هذا النبذ يجب أن يكون ثابتاً ومدعوماً بالسياسات والممارسات الفعلية. فمن خلال نبذ العنف، سيضع الفلسطينيون إسرائيل في موقف دفاعي، خاصة في الوقت الراهن الذي يراقب فيه العالم ممارسات إسرائيل العنيفة والجسيمة ضد الفلسطينيين. ومهما بدا هذا الأمر بغيضاً لحركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” وبقية الفصائل، فإن عليهم جميعاً التسليم بحقيقة بسيطة ولكن لا مفر منها: العنف لن يحقق التحرير، بل لن يؤدي إلا إلى تكريس الدمار؛ وهو ما أثبتته بشكل مأساوي وحشية “حماس” في أكتوبر 2023 ورد إسرائيل الوحشي.

ثانياً، تُعد الوحدة أمراً لا غنى عنه؛ فقد كان الإنقسام المستمر بين حركتي “فتح” و”حماس” أحد أكبر العوائق التي حالت دون التقدم الفلسطيني. ويجب على كافة الفصائل أن تدرك أنه بدون جبهة وطنية موحدة، ستظل قضيتهم عرضة للإستغلال الخارجي والشلل الداخلي. كما يجب أن ترتكز هذه الوحدة على هدف واضح وموحد: إقامة الدولة الفلسطينية من خلال حلّ الدولتين القائم على التفاوض السلمي.

ثالثاً، بات إجراء انتخابات جديدة أمراً حتمياً؛ فالتجديد الديمقراطي من شأنه أن يمنح الشرعية للقيادة الفلسطينية، وأن يبعث برسالة إلى العالم مفادها أن الفلسطينيين مستعدون لحكم أنفسهم بمسؤولية. وبغض النظر عن الفصيل أو الحزب الذي سيفوز، يتعيّن عليه تشكيل حكومة ائتلافية تمثل جميع الفلسطينيين برئاسة زعيم الفصيل الذي حاز على أكبر عدد من الأصوات. كما يجب على القيادة المنتخبة حديثاً أن تنبذ العنف بشكل قاطع كأداة سياسية، وأن تلتزم بالحل السلمي للصراع مع إسرائيل؛ فهذا ليس مجرد تعديل تكتيكي، بل ضرورة إستراتيجية.

رابعاً، يجب على الفلسطينيين الإستثمار في حشد مجتمعهم المدني؛ إذ ينبغي إشراك القادة الدينيين والمعلمين والمنظمات الشبابية والنقابات المهنية في حملة مستمرة لتعزيز الإعتدال والتعايش والسعي نحو السلام. ويُعد هذا الحوار الداخلي أمراً جوهرياً، ليس فقط لضمان التماسك المجتمعي، بل أيضاً لإظهار التزام حقيقي وموثوق بالمصالحة مع إسرائيل.

خامساً، يتعيّن على القيادة الفلسطينية إصدار إعلان علني وصريح عن استعدادها للدخول في مفاوضات غير مشروطة مع إسرائيل. ويجب أن توجه هذه الرسالة ليس فقط إلى القيادة الإسرائيلية، بل إلى الجمهور الإسرائيلي أيضاً، لا سيما في سياق الدورات الإنتخابية؛ إذ يجب أن يسمع الإسرائيليون بوضوح وتكرار أن الفلسطينيين مستعدون للتفاوض بحسن نية والتعايش معهم بسلام.

سادساً، ينبغي على الفلسطينيين الإلتفاف حول شخصيات توحيدية قادرة على تجاوز الإنقسامات الفصائلية. على سبيل المثال، لا يزال مروان البرغوثي أحد القادة القلائل الذين يتمتعون بشرعية واسعة النطاق في أوساط المجتمع الفلسطيني. ومن شأن إطلاق حملة منسقة ومستمرة للمطالبة بالإفراج عنه أن يشكل ليس فقط نقطة ارتكاز رمزية، بل أيضاً حافزاً للتجديد السياسي وتحقيق الوحدة. وتحقيقاً لهذه الغاية، يتعيّن على الفلسطينيين حث المجتمع الدولي على ممارسة الضغط والإقناع وحمل إسرائيل على إطلاق سراحه.

سابعاً، ينبغي على الفلسطينيين توسيع نطاق تحركاتهم الدبلوماسية والإرتقاء بمهنيتها، إذ يظل الإتحاد الأوروبي شريكاً محورياً قادراً على ممارسة نفوذ سياسي واقتصادي على إسرائيل. وبالتوازي مع ذلك، ينبغي للفلسطينيين تكثيف تواصلهم داخل الولايات المتحدة، حيث شهد الرأي العام – ولا سيما بين الناخبين الشباب – تحولاً نحو التعاطف المتزايد مع محنتهم في أعقاب حرب غزة. ويمكن لحملات المناصرة الفعالة أن تساهم في إعادة تشكيل المشهد السياسي بطرق تجعل تحقيق التقدم أمراً أكثر قابلية للتحقق.

ثامناً، ينبغي للفلسطينيين توظيف الأطر الدولية متعددة الأطراف بشكل أكثر استراتيجية؛ فالإنخراط مع هيئات حقوق الإنسان وآليات الأمم المتحدة من شأنه أن يولد ضغوطاً تدفع نحو المساءلة، مع تعزيز التزام الفلسطينيين بالوسائل القانونية والسلمية.

تاسعاً، لا بد من إيلاء الإهتمام اللازم للتنمية الإقتصادية والمستدامة. فحتى في ظلّ الإحتلال، يمكن للجهود الرامية إلى تعزيز الحوكمة وتحسين الخدمات العامة وترسيخ الصمود الإقتصادي أن تبرهن على الجاهزية لإقامة الدولة والحد من التبعية؛ إذ إن وجود إطار مؤسسي فاعل يعزز المصداقية ويضع الأسس اللازمة لتحقيق السيادة في نهاية المطاف.

عاشراً، كشرطٍ لا غنى عنه لتنفيذ أيٍ مما سبق، لا بد من التصدي بحزم للفساد داخل المؤسسات الفلسطينية؛ فقد أدى الفساد المستشري إلى تآكل الثقة العامة وإضعاف منظومة الحكم من الداخل. لذا، يتعيّن تشكيل سلطة فلسطينية جديدة عبر عمليات تتسم بالشفافية وبقيادة تتمتع بالمساءلة والكفاءة والإلتزام الحقيقي بالمصالح الوطنية.

وأخيراً، ينبغي على الفلسطينيين التوجه -على وجه الخصوص- نحو المملكة العربية السعودية لبدء محادثات غير معلنة (قنوات خلفية) مع إسرائيل. فالمملكة هي الوسيط الوحيد الممكن الذي يمتلك ما تريده إسرائيل حقاً ولا يمكنها الحصول عليه من أي طرف آخر، والمتمثل في: التطبيع والشرعية الإقليمية والبنية الإقتصادية للإندماج الإقليمي؛ وذلك في ظل التزام سعودي علني بجعل قيام الدولة الفلسطينية ثمناً لهذه الخطوات.

لن تؤدي أي من هذه الخطوات إلى نتائج فورية؛ فتغيير التصورات الإسرائيلية -التي تشكلت بعمق عبر عقود من الصراع والخوف- سيستغرق وقتاً. ومع ذلك، فإن إحداث تحّول فلسطيني مستدام وموثوق يمكن أن يغيّر المشهد السياسي الإسرائيلي تدريجياً، مما يعزز موقف أولئك الذين يدركون أن الإحتلال ليس أمراً لا يمكن تبريره أخلاقياً فحسب، بل إنه يقوض الأمن القومي الإسرائيلي بدلاً من تعزيزه.

إن الخيار الماثل أمام الفلسطينيين ليس خياراً نظرياً، بل هو خيار عاجل وذو عواقب مصيرية؛ إذ لا يملك الفلسطينيون ترف انتظار أن تغيّر إسرائيل مسارها. فالواقع السياسي الإسرائيلي الراهن لا يبعث على الأمل في حدوث تحوّل طوعي نحو السلام، بل إن الوضع القائم يزداد رسوخاً. وفي ظل هذه الظروف، تكتسب المبادرة الفلسطينية أهمية قصوى وحاسمة؛ فهي إما أن تجعل قيام الدولة أمراً ممكناً، أو تترك الفلسطينيين عالقين إلى أجل غير مسمى في واقع يزداد تعقيداً وتجذراً بمرور الوقت.

على الفلسطينيين أن يدركوا أن الدولة لن تُمنح لهم كهدية، بل يجب انتزاعها واستحقاقها من خلال وضوح الرؤية الإستراتيجية والشجاعة السياسية والإلتزام المستمر بالنهج السلمي. فالأدوات متاحة، والبيئة الدولية – رغم ما يشوبها من تناقضات- توفر فرصاً يمكن اغتنامها.

TAGS
غير مصنف
SHARE ARTICLE