العهد المحطّـــــــــــــــــــــم
بينما تحتفل إسرائيل بذكراها الثامنة والسبعين
إسرائيل!
أنا لا أتحدث بغضب، بل بحزن.
وما يتكشف هنا ليس نبوءة،
بل هو اعتراف.
رثاء لأمة ضلّت طريقها.
محاسبة على إيمان خُذل، وعدالة أُهدرت.
حلم إسرائيل، الذي كان يومًا مشرقًا، مُخلِّصًا،
أصبح الآن مُتصدِّعًا،
روحه تائهة في تصميمه الخاص.
رؤية المؤسسين تتلاشى في ضجيج الحرب والفتنة.
ليست هذه هي إسرائيل التي حلموا بها.
هذا صدى صمتهم.
وما يُدمِّره نتنياهو وحكومته
ليس الدولة فحسب، بل الروح التي منحتها الحياة.
إنهم يُحطِّمون العهد
بين الحلم والمصير،
بين الوعد والإيمان.
لقد كسروا العمود الفقري الأخلاقي لإسرائيل
كما تصوره أولئك الذين أنجبوها
من رماد المنفى.
لقد خانوا سبب وجودها.
تخلى الإسرائيليون عن القيم
التي أبقت اليهود عبر آلاف السنين من الشتات.
قيمٌ محفورة في صميم البقاء،
منقوشة في همس الخروج والعودة.
كان من المفترض أن تقوم إسرائيل على هذه الركائز:
الرحمة، والعدل، وقدسية الحياة.
لكن الزمن كشف زيف الوهم:
طغت القوة الغاشمة على الغاية،
والتهمت العقيدة الإيمان.
إن التخلي عن هذه القيم هو التخلي عن الروح ذاتها،
مصدر البقاء.
وبدلاً من رعاية سبيل للتعايش،
اختارت إسرائيل الغزو على الواقعية والضمير الأخلاقي.
صرفت الحكومات المتعاقبة أنظارها عن السلام،
نحو الجدران، ونقاط التفتيش، والسلاسل.
نسجت آلةً للتجريد من الإنسانية،
حوّلت الجيران إلى ظلال،
والأطفال إلى تهديدات.
من الأرض استولوا على الأرض،
ومن الروح سرقوا الكرامة.
ثمانية عقود من الدماء تقريبًا،
بلغت ذروتها في جنازات غزة التي لا تنتهي.
حرب تفوح منها رائحة الإبادة الجماعية،
نصب تذكاري للخيانة الأخلاقية.
رجال ونساء وأطفال تحولوا إلى ركام وغبار
– ليسوا بأعداء،
بل ضحايا رؤية عمياء.
دُفنت الرحمة مع الموتى،
وغرقت الإنسانية في غياهب العدم.
إنّ ما يصعب استيعابه –
أن أحفاد من التهمتهم نيران المحرقة
يستخدمون الآن انعكاسها ضد آخرين.
من الضحية إلى الجلاد،
ومن مطارد إلى صياد.
يهتفون للدمار كما لو كان خلاصًا،
ويصفقون للموت كما لو كان فداءً.
صدى المعاناة يتردد الآن في الداخل،
لعنة متنكرة في زي النصر.
نتنياهو يحلم بالإمبراطورية،
ويغلّفها بأمر إلهي.
إسرائيل الكبرى –
عبارة غارقة في الغطرسة والإنكار.
حياة فلسطينية اقتُلعت من جذورها،
وحُطمت بيوتهم بالانتقام، وأُحرقت بالنيران.
وحتى أبعد من ذلك –
سوريا، لبنان –
شهوةٌ للأرض تتحدى العقل والقانون.
العالم يدين،
لكن إسرائيل لم تعد تُصغي.
لقد اختارت العزلة
على حساب الوحدة والتماسك.
مكانة إسرائيل الأخلاقية في الحضيض –
صورتها مُحطمة،
ونورها مُخفتٌ بنيران غزة.
تحوّل الاحترام العالمي إلى لوم،
اسمها يُهمس به حزنًا لا إعجابًا.
قد لا تُداوي العقود هذه الهوة
بعض الجروح، إذا فُتحت، لا تلتئم أبدًا.
معاداة السامية، الوباء القديم،
الذي طُرد ذات يوم بوعد إسرائيل،
يعود اليوم ليُشعل نار الوحشية من جديد.
كل عمل وحشي في غزة، وكل حصار في الضفة الغربية،
يُعيد إحياء كراهية عانى منها اليهود لقرون.
المضطهدون أصبحوا خصومًا،
والتاريخ، في تناسق قاسٍ،
يُحكم قبضته.
كان من المفترض أن تكون إسرائيل ملاذًا آمنًا،
ومكانًا للنجاة، لا موقعًا للخراب.
لكن الحرب التي لا تنتهي تُولد خوفًا لا ينتهي.
ومع كل صاروخ، وكل قبر،
يحلم إسرائيلي آخر بالرحيل.
ثلاثة يفرون مقابل كل من يصل،
ليس لقلة الحب،
بل لفقدان الإيمان.
أصبح الأمن سرابًا،
يتلاشى تحت ظل السيف.
وفي أنحاء العالم، يبكي اليهود في صمت.
قلوبهم، التي كانت مرتبطة بإسرائيل بفخر،
ترتجف الآن من شدة الذهول.
يشاهدون أمة نهضت من الرماد،
تتحول إلى يدٍ تحرق.
إنهم ينعون خيانة الأنبياء،
وتدنيس الذكرى المقدسة.
نجم داود يخفت ،
لا بسبب كراهية الآخرين،
بل بسبب القسوة الكامنة في الداخل.
في المجامع، وعلى الموائد،
تتحول صلواتهم إلى رثاء.
وما كان يُفترض أن يُخلصهم من معاناتهم،
يُعاد إلحاقها بهم من جديد.
إنهم لا يتألمون لسقوط إسرائيل،
بل لمسارها
نحو الكرامة، نحو العدل،
نحو ذاتها.
لقد فقدت إسرائيل سبب وجودها.
لقد أصبحت منبوذة مُغطاة بالدروع،
عقيدتها الآن الفصل العنصري،
ضميرها صامت.
إنها تعيش بالسيف،
تُهلكها الجروح التي تُلحقها.
والعالم يشاهد
ليس بحسد،
بل بفزعٍ مُعذّب.
بدلًا من زرع السلام،
تزرع إسرائيل الكراهية عميقًا في وادي الأجيال.
الأرض تشرب الضغينة والدماء،
والأطفال ينمون في سمّها.
كل قنبلة ورصاصة تضمن روحًا يتيمة أخرى،
وقلبًا قاسيًا آخر.
يتلاشى المستقبل قبل أن يزهر.
وما كان يمكن أن يكون وئامًا،
أصبح الآن استبدادًا مستمرًا.
كان بإمكان إسرائيل أن تكون نورًا،
منارة للمكسورين،
وملجأً يولد من جديد في البرّ.
انتظر العالم
معجزة رحمتها،
وعدل قوتها.
لكن النور خفت،
وشوّهه الخوف،
والتهمه الإنتقام.
العصر الذهبي الذي كان من الممكن أن يكون،
تحول إلى صدأ وخراب.
والوعد الذي وحّد اليهود ذات يوم،
يقسّم قلوبهم الآن.
لن ينسى التاريخ،
أن أولئك الذين نهضوا من الرماد،
أصبحوا النار التي تلتهم أنفسهم.
العالم يشاهد في ذهول،
ليس لأعداء إسرائيل،
بل لإسرائيل نفسها.
التي اختيرت يوما َ للشفاء،
تختار الآن الأذى.
في ظل نورها الضائع،
تنوح الأمة
على ما كان يمكن أن يكون
نورًا يُضيء دروب الأمم الأخرى.
والآن يرتعش في الظلام.
هل سيظهر مُنقذٌ فتُشعل صرخة الشعب
قبل أن تنطفئ هذه الشعلة الخافتة
وقبل أن تموت آخر شرارة من روحها في هبوب ريح خافتة ؟