All Writings
يناير 16, 2015

سياسات نتنياهو تغذّي معاداة الساميّة

لم أعد أندهش بعد اليوم بما يقوله أو يفعله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. لن يحاول أيّ زعيم لديه أيّ شعور بالفخر أو نفحة من الحساسيّة أن يستغلّ لمكاسب سياسيّة الموت المفجع لأربعة يهود فرنسيين قتلوا في متجر ٍ للأطعمة الحلال اليهوديّة (كوشير) في باريس. فأن تسافر إلى فرنسا لكي تتضامن مع الشعب الفرنسي بعد الإعدام المروّع لإثني عشر صحفيّا ً في مقرّ المجلّة الساخرة “شارلي إبدو” شيء، وأن تستخدم هذه المناسبة المفجعة لدعوة يهود فرنسا للهجرة إلى إسرائيل لتجنب الأعمال المعادية للسامية و “العيش بأمان وسلام” هو شيء آخر مختلف تماما ً.

أرى أنّه علينا في هذه اللحظة – التي تستوجب على فرنسا القيام بالشيء الكثير في البحث عن الذات – أن نستذكر أفكار الفيلسوف جين- باول سارتر الذي يحتوي كتابه “العداء للساميّة واليهود” – بالرّغم من أنّه كُتب قبل أكثر من سبعين عاماً – مشاهدات لا تقلّ واقعيّة عما هي عليه اليوم، مثلا ً تشخيصه معاداة الساميّة ب “شغف يستهلك كلّ شيء” و”خيار كلّي” يحوّل الكراهية إلى عقيدة.

لقد أدرك سارتر بأن الردّ على معاداة الساميّة لا يكمن في أن يغادر يهود فرنسا بلدهم – “وطنهم الأصلي”- للعيش في القدس أو تل الربيع كما اقترح عليهم نتنياهو مؤخرا ً، بل أنّ أيّ حلّ لمشكلة معاداة الساميّة (التي تتفاقم في جميع أنحاء أوروبا) يجب أن يتضمّن الإعتراف بأنه لن يكون هناك “فرنسيّ واحد آمن في وطنه ما دام هناك يهودي واحد – أكان في فرنسا أو في معظم أنحاء العالم – يخشى على حياته” حسب قول سارتر.

لقد أدرك رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فولز هذه الحقيقة عندما عبّر عن مخاوفه العميقة حول إحتمال قيام شريحة كبيرة من اليهود الفرنسيين بالهجرة من فرنسا – مهما كان هذا الإحتمال بعيدا ً – بسبب تفاقم المشاعر المعادية لإسرائيل ولليهود. فبالنسبة لفولز يُعتبر الإعتراف باليهود كمواطنين بكامل الحقوق مبدأ أساسي للثورة الفرنسيّة عام 1789 ويبقى أحد الدعائم الرئيسيّة للديمقراطيّة الفرنسيّة.

فدعوة اليهود الفرنسيين للهجرة إلى إسرائيل في الوقت الذي ما زال فيه نتنياهو يقف على التراب الفرنسي تصرّف أقلّ ما يقال عنه أنّه تصريح وقح يزعم بأن اليهود لم يعودوا آمنين في فرنسا وأنّ إسرائيل هي وحدها القادرة على تأمين ملجأ آمن لهم يعيشون فيه دون خوف.

ينسى نتنياهو بكلّ بساطة بأنه قد قُتل من الإسرائيليين في إسرائيل نفسها خلال فترة العشرين عاما ً الماضية من جراء العمليات الإنتحارية والعنف العشوائي أكثر من 80 ضعفا ً من كلّ اليهود الذين قتلوا من قبل الإرهابيين في نفس الفترة الزمنيّة في أوروبا.

لا يرى اليهود الفرنسيّون والبريطانيّون والأمريكيّون إسرائيل كالوطن الحصريّ لليهود، فهم فخورون لكونهم مواطني بلادهم. وتكتيكات التخويف التي أتبعها نتنياهو لدفع اليهود على مغادرة أماكن ولادتهم ومسقط رؤوسهم هي إهانة لفرنسا ولليهود على حدّ سواء. أجل، إنّ لأغلبيّة هؤلاء اليهود علاقة من نوع ٍ خاصّ لإسرائيل، ولكنهم لا يشعرون بأنفسهم “ممزقين” ما بين ولائهم لدولتهم التي وُلدوا فيها وقربهم من إسرائيل.

وبالرّغم من أنّ عدد اليهود الذين غادروا فرنسا ليعيشوا في إسرائيل في العام 2014 أكبر من عددهم في العام السابق، فإن هناك بالمقابل أعداد أكبر هاجرت إلى الولايات المتحدة وكندا وغيرها من البلدان. وتجدر الملاحظة بأن العدد الإجمالي للشباب اليهود الغربيين المهاجرين لإسرائيل قد تراجع عبر السنوات العشرة الماضية.

لم يعد ينظر هؤلاء اليهود لإسرائيل كدولة رائدة وحرّة وديمقراطيّة بالطريقة التي كانوا ينظرون بها في الماضي. وهم لا يقبلون كذلك الإحتلال كما لو كان طريقة ً للحياة. أضف إلى ذلك، هم ينتقدون التمييز ضدّ العرب الإسرائيليين ويشمئزّون من الفساد المستوطن في قيادة إسرائيل السياسيّة.

وفي الوقت الذي يدعو فيه نتنياهو اليهود للهجرة إلى إسرائيل، لم يفعل أي شيء تقريبا ً لصدّ تدفق اليهود الإسرائيليين المهاجرين من إسرائيل والذين بلغ عددهم حوالي مليون عبر السنوات العشرين الماضية. ومن باب المفارقات والسخرية أن نرى بأن العديد منهم يغادر إسرائيل لأنهم يخشون على سلامتهم ولا يرغبون في تجنيد أطفالهم في الجيش ما دام الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني متأججا ً.

لقد كان هناك عداء للساميّة منذ زمن سحيق. وقد يكون هناك القليل مما يستطيع اليهود القيام به لتغيير هذا الواقع المحزن، تماما ً كما يصعب على الأمريكيين من أصل إفريقي تغيير عنصريّة العديد من الأمريكيين البيض.

حتّى وبعد إعلان تحرير العبيد في عام 1863 وتمرير التعديل الثالث عشر على القانون الأمريكي الذي يحرّم العبوديّة بعد سنتين من ذلك، وبعد عقود من النضال من أجل الحقوق المدنيّة وانتخاب رئيس أسود في عام 2008، ما زالت النظرة أو الصورة العنصرية مصدر استياء عميق لدى الأمريكان من أصول إفريقيّة.

وبصرف النظر عمّا إذا كان المحفّز لعداء السامية هو الحسد أو العداء أو الفروق الثقافيّة أو الحضاريّة، فالهروب لإسرائيل يعني ببساطة انتصارا ً لمعادي السامية. سيكون هناك دوما ً يهود يعيشون في أنحاء متفرقة من العالم (وقد يكون هذا سرّ بقائهم على قيد الحياة) ومعادون للسامية يكمنون لهم في الخفاء. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما دام ليس بالإمكان اجتثاث العداء للساميّة واضطرار اليهود العيش معه، ماذا بإمكانهم أن يفعلوا، وبالأخصّ إسرائيل، لإخماد مرض العداء للساميّة ؟

وبغضّ النظر عن المكان الذي يعيش فيه اليهود، فإنّ عليهم عدم التقهقر للوراء لإرضاء أعدائهم، بل أن العبء يقع بشكل ٍ خاصّ على إسرائيل للقيام بما هو مناسب وصحيح وإيقاف صبّ الزيت على النار.

وليس من باب الصدفة المحضة أن يرفض كلّ العالم، بما في ذلك أقرب صديق وحليف لإسرائيل، وهي الولايات المتحدة، مشروع الإستيطان واستمرار الإحتلال، وليس من باب الصدفة أيضا ً أنّ يصبح هناك ارتفاع حادّ في الأحداث العالميّة المعادية للساميّة في كلّ مرّة يتأجّج فيها الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.

يجب على نتنياهو أن يتقبّل الحقيقة بأن الإحتلال هو أحد الأسباب الرئيسيّة الكامنة وراء الزيادة الحالية لعداء الساميّة. فبدلا ً من التركيز على إنهائه، يدعو نتنياهو اليهود الفرنسيين للهجرة لإسرائيل فقط لكي يصبحوا “أدوات قمع” للفلسطينيين.

لن يمحو التوصل لاتفاقية سلام ٍ عادلة مع الفلسطينيين العداء للساميّة كما لاحظ سارتر بقوله:”حتّى ولو لم يكن هناك يهود، فإن العداء للساميّة قد يخترع نفسه”، ولكنه على الأقلّ سيقلّل من الحماس لعداء الساميّة.

لا، إن لم يستطع نتنياهو العودة لرشده، فقد دقّت الساعة لزعيم إسرائيلي آخر لكي ينهض وتكون له الشجاعة لتلبية النداء.

TAGS
غير مصنف
SHARE ARTICLE