All Writings
نوفمبر 2, 2026

الوطن قبل الحزب: على المعارضة الإسرائيلية ألا تضيّع هذه اللحظة

لقد فتحت الإنتخابات مساراً يبتعد عن حكم نتنياهو الكارثي. وأمام المعارضة الإسرائيلية الآن خيار حاسم: إما بناء شراكة حكم يهودية-عربية، أو المخاطرة بتسليم مستقبل البلاد للقوى التي تمزق أوصالها.

تقف إسرائيل عند مفترق طرق تاريخي؛ فالحكومة التي ستنبثق عن هذه الإنتخابات ستحدد ما إذا كانت البلاد ستبدأ في إصلاح ديمقراطيتها واستعادة بوصلتها الأخلاقية، أم ستستمر في الإنزلاق نحو مزيد من الإنقسام والعزلة الدولية وتآكل الوعد الذي قامت عليه الدولة.

فبالنسبة للمعارضة الإسرائيلية، لا تعد هذه مفاوضات ائتلافية عادية؛ فهي اختبار لمدى امتلاك قادتها الشجاعة لتغليب مصلحة الوطن على مصالح الحزب والطموحات الشخصية والتحيّزات الأيديولوجية.

تتيح الحسابات البرلمانية فرصة سانحة؛ إذ تمنح النتائج النهائية للأحزاب المعارضة لبنيامين نتنياهو ما مجموعه 67 مقعداً من أصل 120 مقعداً في الكنيست: 48 مقعداً لأحزاب المعارضة اليهودية و19 مقعداً للأحزاب التي يقودها العرب، بينما يمتلك معسكر نتنياهو 53 مقعداً. هذه الأرقام توفر فرصة لاستبداله، لكنها لا تعني بالضرورة وجود اتفاق حول كيفية إدارة الحكم.

إن توفر أغلبية محتملة لا يعني قيام حكومة؛ فالحكومة لا تتشكل إلا عندما يتحمل القادة السياسيون المسؤولية التي تفرضها هذه اللحظة.

يتعين على غادي آيزنكوت وشركائه المحتملين التحرك بحزم للتفاوض على اتفاق ائتلافي مع الأحزاب العربية؛ فرفض هذه الشراكة يعني إهدار المسار الأكثر وضوحاً نحو تشكيل حكومة مستقلة عن نتنياهو.

ولنكن واضحين: مشاركة العرب ليست تنازلاً يمنحه السياسيون اليهود بسخاء؛ فالمواطنون العرب هم مواطنون إسرائيليون، وأصواتهم تتمتع بنفس الشرعية الديمقراطية التي يتمتع بها أي مواطن آخر، وممثلوهم المنتخبون يملكون كامل الحق في المشاركة في حكم البلاد.

لا يمكن لنظام ديمقراطي أن يطالب خُمس سكانه بالوفاء بالتزاماتهم تجاه الدولة، بينما يعامل ممثليهم على أنهم غير مؤهلين أبداً للمشاركة في السلطة السياسية. يشكل المواطنون العرب تقريباً هذه النسبة من سكان إسرائيل، وتجعل المكاسب الإنتخابية التي حققتها أحزابهم من المستحيل تجاهل هذا التناقض.

لذا، فإن إشراكهم يتجاوز كونه ضرورة برلمانية؛ فهو فرصة للبدء في إصلاح العلاقة بين المواطنين اليهود والعرب، وإثبات أن المواطنة المتساوية يمكن أن تتحول من وعد لم يتحقق إلى مبدأ أساسي في إدارة الدولة.

لن تؤدي شراكة كهذه إلى محو الخلافات العميقة، كما أنها لن تحل – بحد ذاتها- الصراع الإسرائيلي -الفلسطيني. لكنها قد ترسي أساساً لا غنى عنه للطرفين: الإدراك بأن أياً من الشعبين لا يمكنه بناء مستقبل آمن من خلال الإقصاء الدائم للآخر أو إخضاعه.

في أعقاب صدمة السابع من أكتوبر وما خلفته الحرب من دمار في قطاع غزة، تحتاج إسرائيل إلى قيادة قادرة على مواجهة المعاناة دون تحويلها إلى مبرر دائم لمزيد من المعاناة، والبدء في مسار التعافي بعد هذه التطورات المأساوية.

تحتاج إسرائيل إلى حكومة مستعدة لحماية مواطنيها مع الإعتراف في الوقت ذاته بإنسانية الفلسطينيين، ونبذ الإنتقام كنهج سياسي، والسعي نحو مسار ذي مصداقية يفضي إلى التعايش.
ويجب أن تبدأ هذه الجهود من الداخل.

إن قيام شراكة في الحكم بين اليهود والعرب من شأنه أن يبعث برسالة مفادها أن مستقبل إسرائيل لن يظل رهينةً -إلى أجل غير مسمى- لأولئك الذين يستغلون المخاوف ويعمقون انعدام الثقة ويصورون المساواة على أنها تهديد.

وستكون المهمة الأولى لهذه الشراكة هي ممارسة الحكم: الدفاع عن المؤسسات الديمقراطية وإعلاء سيادة القانون وحماية جميع المواطنين والبدء في استعادة ثقة الجمهور بالدولة.

وهذا يتطلب تقديم تنازلات صعبة؛ إذ سيتعين على كل طرف مشارك أن يميّز بين المبادئ التي تحمي البلاد، وبين المواقف التي يتم التمسك بها فقط لإرضاء قاعدة انتخابية معينة.

لا ينبغي مطالبة أي طرف بالتخلي عن هويته، لكن على كل طرف أن يدرك أن إدارة بلدٍ يعاني من الإنقسام تتطلب التعاون مع أشخاص تختلف هويتهم وتاريخهم وقناعاتهم عن هويته وتاريخه وقناعاته.

إن البديل ليس تحقيق نقاء أيديولوجي بلا تبعات، بل هو شلل سياسي قد تكون عواقبه كارثية.

فإذا عجزت المعارضة عن التوصل إلى اتفاق، فقد تصبح الدعوة إلى انتخابات جديدة أمراً وارداً؛ وهي انتخابات لا تضمن بالضرورة تفويضاً أقوى من أجل التغيير. إذ قد يحظى نتنياهو بفرصة أخرى لتشكيل أغلبية، بينما تضيع على البلاد فترات إضافية في ظل حالة من عدم اليقين والإنقسام.

ينبغي على المعارضة ألا تخلط بين حرمان نتنياهو من الأغلبية في صناديق الإقتراع وبين إنهاء حكمه؛ فذلك لا يتحقق إلا بتشكيل حكومة بديلة قادرة على العمل.

كما لا ينبغي لقادة المعارضة أن يتوهموا أن الناخبين سيغفرون بسهولة أي إخفاق ينجم عن الإقصاء أو الخصومات الشخصية. فالمواطنون الذين صوتوا من أجل التغيير يستحقون ما هو أكثر من مجرد برهان جديد على عجز قادتهم عن العمل معاً.

ولا يمكن لإسرائيل أن تتحمل تحويل الأزمات المستمرة إلى نهج دائم في الحكم.

إن الدفاع عن إسرائيل لا يعني بالضرورة الدفاع عن كل إجراء تتخذه حكومتها؛ فمعارضة سياسات نتنياهو لا تعني معارضة وجود إسرائيل ذاته.

ما تحتاجه إسرائيل اليوم ليس “منقذاً” جديداً ولا حملة انتخابية أخرى، بل تحتاج إلى قادة يتحلون بالشجاعة والرؤية ومستعدون للالتزام بضوابط المسؤولية المشتركة.

يتعين على آيزنكوت، زعيم أكبر أحزاب المعارضة، وغيره من قادة المعارضة، البدء فوراً في مفاوضات جادة مع الأحزاب العربية، رغم أن بعضهم تعهد خلال حملته الإنتخابية بعدم الإنضمام إلى ائتلاف حكومي يضم هذه الأحزاب. عليهم الإتفاق على برنامج عملي، وتحديد التزامات متبادلة، ومقاومة إغراء التضحية بما هو ممكن في سبيل ما هو مريح سياسياً.

هذه هي اللحظة المناسبة لإبداء الشجاعة، لا لاختلاق الأعذار.

تمتلك المعارضة الإسرائيلية فرصة قد لا تتكرر قريباً؛ وعليها استغلالها لتشكيل حكومة ترفض الإقصاء، وتستعيد الضوابط الديمقراطية، وتبدأ المهمة الشاقة المتمثلة في الإصلاح الوطني.

لن يسأل التاريخ عما إذا كان هؤلاء القادة قد وفوا بكل وعودهم الإنتخابية أو حصلوا على كل الوزارات التي طمحوا إليها، بل سيسأل عما إذا كانوا قد امتلكوا الشجاعة لاتخاذ المسار الذي يجنب البلاد كارثة محققة حين أتيحت لهم الفرصة لذلك.

عليهم تشكيل تلك الحكومة، ووضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار.

TAGS
غير مصنف
SHARE ARTICLE