All Writings
مايو 26, 2026

التاريخ لا ينحني للقوة

على مدى عقود، حاولت إسرائيل والفلسطينيون تطويع الواقع وفق إرادتهم. غير أن الواقع لا يستسلم للقوة، والذاكرة لا تتلاشى بأمر، والعدالة لا يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية.

على مدى العقود الثلاثة الماضية، كتبت مئات المقالات وعدة كتب عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، متناولًا إياه من زوايا تاريخية ودينية ونفسية وجيوستراتيجية، ومن خلال الحقائق القاسية على الأرض. وبعد كل ذلك، بقيت خلاصة واحدة لا يمكن الهروب منها: لن يكون هناك سلام، إطلاقًا، ما لم يستند إلى حلّ دولتين واقعي وقابل للتطبيق.

وبعد ما يقارب ستة عقود على حرب عام 1967، لا يتجه الصراع نحو التسوية، بل نحو قطيعة دائمة. فما بدأ صراعًا وطنيًا وإقليميًا، تصلّب وتحوّل إلى مواجهة صفرية، تصوغها المخاوف، والصدمات، وروايات متعارضة يلغي كلّ منها الآخر. لقد تحولت دورات العنف إلى بُنية راسخة: هجمات فلسطينية، وردود انتقامية إسرائيلية، والانتفاضتان الأولى والثانية، وحروب متكررة في غزة، واضطراب دائم في الضفة الغربية. ومع كل دورة جديدة من العنف، كان انعدام الثقة يزداد عمقًا، وكانت المساحة المتبقية لأي تسوية تضيق أكثر فأكثر.

المنظوران النفسي والتاريخي
ما تزال ذكرى النكبة، كارثة عام 1948 التي أدت إلى تهجير ما يقارب 700 ألف فلسطيني، ركيزة أساسية في الهوية الفلسطينية والوعي السياسي الفلسطيني. فبالنسبة إلى الفلسطينيين، لم تكن النكبة حدثًا تاريخيًا عابرًا، بل بداية تجربة ممتدة من السلب والاقتلاع والمنفى، ما زالت أصداؤها تتردد عبر الأجيال.

ولا يقتصر أثر ذلك على استمرار مجتمعات اللاجئين، بل يتجلى أيضًا في قناعة راسخة بأن الظلم التاريخي لم يُصحَّح قط. ويشكّل هذا الإرث مواقف الفلسطينيين من الصراع الراهن، إذ يعمّق إحساسهم بأن نضالهم لا يقتصر على إنهاء الاحتلال، بل يشمل استعادة الكرامة، والحقوق، والاعتراف الذي حُرموا منه منذ عام 1948.

ثم جاء السابع من أكتوبر 2023، لحظة فاصلة من الرعب. فقد هزّ هجوم حماس، الذي استهدف المدنيين بوحشية وأسفر عن مقتل 1,200 شخص، معظمهم من المدنيين الإسرائيليين، إسرائيل من أعماقها، وأعاد تثبيت اعتقاد راسخ في المجتمع الإسرائيلي بأن العداء الفلسطيني ثابت لا يتغير، وأن فصائل فلسطينية قوية ما تزال ملتزمة بتدمير إسرائيل. ووفق هذا التصور، لم تفشل مبادرات السلام السابقة بسبب خلل في شروطها، بل لأن الطرف الآخر يرفض التعايش في النهاية.

لكن ما تلا ذلك غيّر المشهد الأخلاقي والسياسي من جذوره.

فالحرب الانتقامية الإسرائيلية في غزة، التي قُدّمت في بدايتها بوصفها حملة لتدمير حماس، سرعان ما تحولت إلى حرب أوسع بكثير وأشد تدميرًا. فقد سُويت أحياء كاملة بالأرض، وفُككت البنية التحتية المدنية بصورة ممنهجة، وقُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، بينهم عدد كبير جدًا من الأطفال.

وما بدأ بوصفه حرب دفاع عن النفس، أخذ يحمل، على نحو متزايد، البصمة الواضحة للعقاب الجماعي، والانتقام، والثأر. فمن حيث الحجم والأسلوب، تجاوزت الحملة عتبة خطيرة؛ إذ لم تعد مجرد حملة غير متناسبة، بل أصبحت، في أثرها التراكمي، لا تكاد تختلف عما يعرّفه كثير من المراقبين القانونيين بأنه سلوك ذو طابع إبادي.

وبالنسبة إلى الفلسطينيين، لم يكن ذلك انحرافًا طارئًا، بل تأكيدًا لخوف قديم من أن المسار النهائي لإسرائيل لا يتجه نحو التعايش، بل نحو الهيمنة الدائمة والتهجير.

تعزيز هذا التصور
ويتكرس هذا التصور يوميًا في الضفة الغربية، حيث تصاعد عنف المستوطنين، من حيث الوتيرة والحدة، غالبًا في وجود قوات الأمن الإسرائيلية، وأحيانًا تحت حمايتها. فهذه ليست حوادث عشوائية؛ بل تشكل نمطًا واضحًا:

مجموعات مسلحة من المستوطنين تهاجم القرى الفلسطينية، وتحرق المنازل والمركبات؛ واقتلاع ممنهج لأشجار الزيتون وتدميرها، بما يقوّض سبل العيش والإرث الثقافي معًا؛ واعتداءات جسدية على المدنيين، بمن فيهم كبار السن والأطفال؛ ومضايقات متواصلة تدفع مجتمعات بأكملها إلى مغادرة أراضيها؛ وهجمات حرق تستهدف المساجد والمدارس؛ وعرقلة الوصول إلى المياه، بما في ذلك إغلاق مصادر أساسية أو تلويثها.

ومجتمعة، ترقى هذه الأفعال إلى عملية بطيئة ومتعمدة لترسيخ السيطرة على الأرض، وهي عملية لا يمكن وصفها إلا بأنها ضمّ زاحف.

وفي الوقت نفسه، أزالت التصريحات الصريحة الصادرة عن أعضاء في الحكومة الإسرائيلية الحالية، والداعية إلى “إسرائيل الكبرى” من البحر الأبيض المتوسط إلى نهر الأردن، ما تبقى من غموض. فبالنسبة إلى الفلسطينيين، لا تبدو هذه التصريحات مجرد مواقف سياسية عابرة، بل مؤشرات على نية استراتيجية، تعزز الاعتقاد بأن قيام دولتهم لا يجري التفاوض عليه، بل يجري إفشاله بصورة ممنهجة.

استيعاب جوهر الصراع
في جوهره، لا يتعلق هذا الصراع بالأرض أو الأمن وحدهما؛ بل بصراع عميق بين مطالب متعارضة بالعدالة. وتبرز هنا حقيقة فلسفية أساسية: لا تستطيع أمة أن تؤمّن مستقبلها عبر إنكار الحقوق الأساسية لشعب آخر إلى ما لا نهاية. فالقوة قد تقمع، وقد تُكبح، وقد تهيمن، لكنها لا تستطيع إطفاء التطلع الجماعي لشعب إلى الحرية وتقرير المصير.

وكما لاحظ جورج فيلهلم فريدريش هيغل: “ما هو عقلاني هو واقعي، وما هو واقعي هو عقلاني”. ومهما بلغت الظروف من مرارة أو مأساوية، فإن الواقع يفرض منطقه الخاص. فهناك شعبان يعيشان على الأرض نفسها، ولا يستطيع أي منهما إلغاء الآخر. ولا يمكن لأي قدر من العنف، مهما كان مدمّرًا، أن يغيّر هذه الحقيقة الأساسية.

وتنبثق من ذلك حقيقة ثانية لا تقل أهمية: إن المعاناة التاريخية، مهما بلغت من العمق، لا تمنح ترخيصًا أخلاقيًا لإدامة معاناة الآخرين. فالتجربة التاريخية اليهودية، التي بلغت ذروتها في أهوال الهولوكوست، تستدعي الأمن والاعتراف، لكنها لا يمكن أن تبرر سياسات تنكر على شعب آخر كرامته ووجوده الوطني.

وقد حذّرت حنّة آرنت بالوضوح نفسه من أن “العنف قادر على تدمير السلطة، لكنه عاجز تمامًا عن خلقها”. قد تحقق الهيمنة العسكرية نتائج مؤقتة، لكنها لا تصنع شرعية، ولا ترسخ مصالحة، ولا تضمن سلامًا دائمًا.

واليوم، يعيش نحو سبعة ملايين يهودي إسرائيلي وسبعة ملايين فلسطيني بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط. وليس أي من الشعبين في طريقه إلى الزوال. هذا ليس صراعًا يمكن حسمه بالنصر؛ بل صراع لا يمكن حله إلا بالاعتراف المتبادل والتسوية السياسية.

ومنذ أكتوبر 2023، تصلبت مواقف الطرفين على نحو حاد. ففي إسرائيل، ابتعد الخطاب السياسي أكثر فأكثر حتى عن الدعم المشروط لقيام دولة فلسطينية، وبات يؤطر هذا الاحتمال بصورة متزايدة بوصفه تهديدًا وجوديًا. أما بين الفلسطينيين، فقد عزز دمار غزة واستمرار واقع الاحتلال الاعتقاد بأن المفاوضات عبثية، وأن المقاومة، بشكل أو بآخر، باتت حتمية.

لا بد أن يتغير ذلك.

إيجاد حل دائم ضرورة لا مفر منها
يجب أن يؤدي المجتمع الدولي دورًا حاسمًا في كسر هذا الجمود.

فعلى مدى عقود، أيّدت الولايات المتحدة حل الدولتين، لكنها أخفقت في اتخاذ خطوات جدية لترجمته إلى واقع. فقد وفرت واشنطن غطاءً يحمي إسرائيل من المساءلة، وأزالت الحوافز التي قد تدفعها إلى تغيير سياساتها. لذلك، يجب على واشنطن أن تحوّل التزامها المعلن إلى سياسة ملموسة: أن تربط المساعدات العسكرية بشروط واضحة، وأن تعارض توسيع المستوطنات بوضوح لا لبس فيه، وأن تؤكد أن استمرار الاحتلال إلى أجل غير مسمى لا ينسجم مع شراكة استراتيجية طويلة الأمد.

وعلى الدول الأوروبية أن تتجاوز الاصطفاف الخطابي، من خلال الاعتراف بالدولة الفلسطينية، واستخدام علاقاتها التجارية مع إسرائيل أداةً للضغط، ودعم آليات المساءلة. أما الدول العربية، فعليها أن توظف اتفاقيات التطبيع لا بوصفها غايات في ذاتها، بل أدوات للضغط من أجل تحقيق تقدم فعلي، مع الإصرار على التماسك السياسي الفلسطيني والإصلاح المؤسسي.

وسيكون على أي حكومة إسرائيلية جديدة أن تتخذ خطوات فورية: وقف توسيع المستوطنات، وإنفاذ سيادة القانون في مواجهة عنف المستوطنين، وإعادة تأكيد الالتزام بتسوية على أساس الأرض، والعودة إلى مفاوضات ذات مصداقية. وبالقدر نفسه من الأهمية، يجب أن تبدأ في تهيئة جمهورها للتسويات الضرورية، وأن تقدم السلام لا بوصفه تنازلًا، بل ضرورة استراتيجية.

وفي نهاية المطاف، يجب على المجتمع الإسرائيلي أن يواجه حقيقة صعبة، لكنها لا مفر منها: إن غياب الدولة الفلسطينية ليس مصدرًا للأمن؛ بل هو أخطر تهديد طويل الأمد له. فالاحتلال الدائم، واللامساواة، والحروب المتكررة، ستقضي على ما تبقى من المكانة الأخلاقية لإسرائيل، وطابعها الديمقراطي، واستقرارها الداخلي.

الحتمية الأخلاقية للحل
في هذا المنعطف الحرج، تبدو الحتمية الأخلاقية ملحّة بقدر الحتمية الاستراتيجية. فقد جادل كانط بأن الإنسان يجب أن يُعامَل دائمًا بوصفه غاية في ذاته، لا مجرد وسيلة. وأي مستقبل سياسي ينكر على الإسرائيليين أو الفلسطينيين كرامتهم وحقوقهم الأساسية، إنما ينتهك هذا المبدأ في صميمه. لذلك، فإن السلام العادل والدائم ليس مجرد مسألة مصلحة سياسية؛ بل ضرورة أخلاقية.

وفي نهاية كل الحروب، وكل الأيديولوجيات، وكل الأوهام، تبقى حقيقة واحدة لا تتزحزح: لن يختفي أي من الشعبين، ولا يستطيع أي منهما أن يحقق حريته على حساب إنسانية الآخر. فالأرض التي يتقاسمانها لا تخضع للقوة، والتاريخ لا ينحني أمامها. إنها تنتظر، صارمة وثابتة، لحظة الاعتراف، مطالبةً بالحقيقة، والعدالة المتبادلة، والكرامة المتكافئة، وباختيار واعٍ للسلام.

لقد تشبّعت تلك الأرض بما يكفي من الدماء لتثبت ما تعجز القوة عن حسمه. ومن دون الاعتراف والشجاعة السياسية، يخاطر الطرفان بخسارة ما هو أكثر من الأرض؛ إنهما يخاطران بخسارة المستقبل الأخلاقي والإنساني الذي ما زالا يكافحان للحفاظ عليه.

TAGS
غير مصنف
SHARE ARTICLE