All Writings
أبريل 6, 2026

الأكراد الأتراك: حماقة أردوغان تتجلى بوضوح

منذ محاولة الإنقلاب الفاشلة عام 2016، بنى أردوغان نظامًا يتم فيه تركيز السلطة وتقييد الحريات وقمع المعارضة بقبضة حديدية. والآن، مع وجود فرصة تاريخية لإنهاء الصراع مع الأكراد، يسعى أردوغان إلى الإستسلام بدلًا من إيجاد حل كريم ومستدام.

بعد مرور ما يقرب من عقد على محاولة الإنقلاب الفاشلة في تركيا في يوليو/تموز 2016، تغير المشهد السياسي للبلاد بشكل جذري يصعب التعرف عليه. فما بدأ كليلة من عدم اليقين الرهيب للدولة التركية تحوّل إلى يوم طويل من ترسيخ رجب طيب أردوغان لسلطته، وهو إعادة هيكلة استبدادية أعادت تشكيل المؤسسات وقلصت الحريات المدنية ووضعت مجتمعات بأكملها، وخاصة الأكراد، تحت وطأة قمع واضطهاد متزايدين.

اضطهاد الأكراد
ربما لم يكن تحوّل أردوغان القومي الإستبدادي أكثر تدميراً في أي مكان منه في معاملته للأكراد في تركيا. ففي أوائل العقد الثاني من الألفية، فاجأ أردوغان المراقبين بإطلاقه عملية سلام مع حزب العمال الكردستاني. ولأول مرة منذ عقود، لاحت بارقة أمل في التوصل إلى حل تفاوضي للصراع المستعصي. وبدا أن اللغة والثقافة والتعبير السياسي الكردي على وشك اكتساب الشرعية العامة. ولكن بحلول عام 2015، انهارت عملية السلام بشكل كارثي بتدبير من أردوغان.

ومنذ ذلك الحين كثّف أردوغان القمع إلى درجة لم يشهدها العالم منذ عام 1980. وتعرّض حزب الشعب الديمقراطي المؤيد للأكراد (HDP) الذي برز كقوة برلمانية رئيسية في عام 2015 لاستهداف متواصل دون رحمة. إعتُقل آلاف من أعضائه وتمّ وضع اليد على عشرات البلديات التي يديرها حزب الشعب الديمقراطي، ما يُعدّ فعليًا تقويضًا للتمثيل السياسي الكردي عبر الوسائل القانونية والإدارية. وأصبحت الهوية الكردية نفسها موضع شك وتمّ ربط الإنخراط السياسي الكردي بالإرهاب.

ومن الأمثلة الصارخة على ذلك حصار بلدة جيزرة من ديسمبر/كانون الأول 2015 إلى فبراير/شباط 2016 خلال نزاع بين قوات الأمن التركية ومقاتلين أكراد. فقد حوصر المدنيون دون طعام أو ماء أو رعاية طبية، حيث كان الأمر حالة مروعة من العقاب الجماعي. وفي مدينة ديار بكر ذات الأغلبية الكردية، أُقيل رؤساء البلديات الأكراد المنتخبون واستُبدلوا بمسؤولين حكوميين، وهذا قد قوّض بشكل صارخ الحقوق السياسية للمجتمع الكردي.

جهود متجددة نحو السلام
بعد الدعوة التاريخية التي أطلقها عبد الله أوجلان – زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون- لنزع سلاح منظمته في فبراير/شباط 2025 وحلّها، دخل الحوار بين الحكومة التركية والأكراد الأتراك مرحلة جديدة هشّة تتسم بالمعاملة بالمثل تحت شروط معينة والمطالب السياسية العالقة.

اتخذ حزب العمال الكردستاني خطوات ملموسة: فقد أعلن وقف إطلاق النار في مارس/آذار ونبذ الكفاح المسلح في مايو/أيار ونظّم مراسم رمزية لحرق الأسلحة في يوليو/تموز وأعلن انسحابه الكامل من الأراضي التركية في أكتوبر/تشرين الأول 2025. ومع ذلك، يصرح قادة كبار في الحزب الآن بأنهم قد أوفوا بجميع الإجراءات التي حدّدها أوجلان ولن يتخذوا أي إجراءات أخرى حتى ترد أنقرة بالمثل أولاً.

أما المطالب الأساسية للجانب الكردي فهي واضحة: الإفراج غير المشروط عن أوجلان، والإعتراف الدستوري بالهوية الكردية والحقوق السياسية (لا الإستقلال) داخل تركيا. ويحذر قادة حزب العمال الكردستاني صراحةً من أن السلام سيتوقف دون اتخاذ هذه الخطوات، بحجة أنه “طالما أن القيادة خلف القضبان، فلن ينعم الشعب الكردي بالحرية”.

وفي حين ترحب الحكومة التركية بدعوة أوجلان لنزع السلاح باعتبارها “خطوة تاريخية” من شأنها “هدم جدار الإرهاب”، فإنها تصور العملية على أنها استسلام وليست تسوية تفاوضية. وقد رفضت أنقرة علنًا إجراء مفاوضات مباشرة مع قيادة حزب العمال الكردستاني في المنفى وتصر على أن أي مصالحة يجب أن تتم وفقًا لشروط تركيا.

لقد بدأ أردوغان وحليفه دولت بهجلي المنتمي لحزب الحركة القومية اليميني المتطرف هذه العملية في المقام الأول لحسابات سياسية داخلية – سعياً وراء دعم البرلمان الكردي للتعديلات الدستورية وتحسين مكانة الحزب في المنطقة – وليس كمبادرة شاملة لإنهاء أكثر من أربعة عقود من الصراع الدامي.

ويقوم حزب الديمقراطية (DEM) المؤيد للأكراد بتيسير الحوار بنشاط، لكن العملية لا تزال عرضة للخطر. يحذر أوجلان من “آليات الإنقلاب” التي عرقلت جهود السلام السابقة، في حين لم تُحدد الحكومة بعدُ إصلاحات سياسية ملموسة أو ضمانات قانونية أو خارطة طريق للحقوق الديمقراطية تتجاوز مجرد انتظار حلّ حزب العمال الكردستاني.

وبعد 41 عامًا من الصراع العنيف الذي أودى بحياة أكثر من 40 ألف شخص من كلا الجانبين، وصل الحوار إلى طريق مسدود. ورغم أن الجانب الكردي قد تخلى عن المقاومة المسلحة، إلا أن أنقرة لا تزال ترفض الإستجابة بالمثل من خلال التغييرات المؤسسية اللازمة لضمان تسوية سياسية دائمة ومنح الأكراد في تركيا حقوقهم الإنسانية والمدنية التي يكفلها لهم القانون.

ورغم أن الأكراد لا يسعون للإستقلال، إلا أن أردوغان ما زال يرفض الإعتراف بمبدأ كونهم جماعة عرقية لهم الحق الأصيل في عيش حياتهم كما يحلو لهم – يتحدثون بلغتهم ويمارسون ثقافتهم وموسيقاهم ورقصاتهم وطقوسهم – طالما أنهم يلتزمون التزامًا تامًا بقواعد وقوانين بلادهم التي تعهدوا بها التزامًا كاملًا.

يجب على أردوغان أن يتذكر أن ما يقرب من 15% من سكان تركيا – أي حوالي 16 مليون نسمة – هم عرقيا من الأكراد. ولن يهدأ لهم بال حتى تُعترف بحقوقهم الإنسانية والعرقية. ولكن، وكما هو متوقع من أردوغان القومي المتعصب، فإنه عازم أن يُضيع فرصة تاريخية أخرى مُظهرًا حماقته، حتى في ظلّ وجود فرصة حقيقية لإنهاء أخطر صراع داخلي في تركيا الحديثة.

TAGS
غير مصنف
SHARE ARTICLE