وباء العنف العالمي في عصر الإفلات من العقاب
لقد تحوّل العنف إلى حالة أساسية في حياة البشر. ومع ذلك، لا تزال المؤسسات الدولية عاجزة بسبب حقّ النقض والتنافس، مكتفيةً بتصريحات جوفاء بينما باتت نزعة تجريد الإنسان من إنسانيته أمرًا طبيعيًا. ثمة حاجة ماسة إلى عمل منسق، لا مجرد إيماءات.
يتفاقم العنف العالمي اليوم، ولا يُحتوى؛ إذ تشير أكثر من 180 ألف حادثة عنف رصدها المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية عالميًا إلى عالم أصبح فيه الصراع حالة أساسية لا استثناءً. أكثر من 130 نزاعًا مسلحًا مستعرة الآن – أي أكثر من ضعف عددها قبل 15 عامًا – تُدمّر البنية التحتية وتُمزّق النسيج الإجتماعي وتُطبّع نزعة تجريد الإنسان من إنسانيته كسلاح سياسي. تتحمل النساء والأطفال العبء الأكبر: يعيش مئات الملايين على مرمى النيران، مع ملايين الوفيات التي كان من الممكن تجنبها وصدمات نفسية مدى الحياة، لا تُسببها الرصاصات والقنابل فحسب، بل الجوع والمرض والعنف القائم على نوع الجنس الذي تُطلقه فوضى الحرب.
ومع ذلك، يبدو أن منظومة الأمم المتحدة والديمقراطيات في العالم تعاني من شلل متزايد، إذ تقع في فخ حقّ النقض والتنافسات الجيوسياسية والتصريحات الجوفاء، مكتفيةً بإيماءات القلق بدلاً من المساءلة المنسقة والفعّالة التي يطالب بها بشدة هذا الوباء المعاصر للعنف .
إن التصعيد العالمي للعنف هو أزمة بنيوية وليس شذوذاً وهو يكشف عن فشل المؤسسات الدولية ويفضح تطبيع المعاناة عبر الأبعاد السياسية والإقتصادية والإجتماعية. ولا يشير انتشار العنف إلى زيادة المواجهات المسلحة فحسب، بل إلى انهيار الآليات نفسها التي وُضعت لكبح الصراع، مما يجعل نزع الإنسانية أداةً روتينيةً للسلطة، كما سيتبين فيما يلي.:
الزاوية الفلسفية
يمثل العنف انهيار السلطة السياسية الشرعية وصعود العجز المتخفي وراء ستار القوة. لا تزال رؤية حنة أرندت الأساسية جوهرية: “السلطة والعنف نقيضان؛ فحيثما تسيطر إحداهما سيطرة مطلقة، تغيب الأخرى. يظهر العنف حيثما تكون السلطة مهددة، ولكن إذا تُرك لمساره الطبيعي، فإنه ينتهي بزوال السلطة” (عن العنف، 1970).
وهذا يُشير مباشرةً إلى تفاقم الصراعات اليوم، والتي لا تدل على قوة الدولة، بل على فشل المؤسسات، حيث يحلّ العنف محل الرضا والشرعية اللذين لم تعد الحكومات قادرة على فرضهما. إن اللجوء إلى العنف يُشير إلى استنفاد الحوار السياسي وغياب هياكل السلطة الشرعية القادرة على حل النزاعات.
التهميش الإقتصادي
تُعدّ العوامل الإقتصادية من أهم العوامل المُسرّعة للعنف المعاصر من خلال التنافس على الموارد، واستغلال السلع، وعدم المساواة المنهجية. يُجسّد مفهوم سلافوي جيجيك للعنف المنهجي الجذور الإقتصادية المتأصلة: “يكمن في هذا العنف المنهجي الجوهري للرأسمالية، وهو أشد غرابةً من العنف الإجتماعي-الأيديولوجي المباشر في حقبة ما قبل الرأسمالية: لم يعد هذا العنف يُعزى إلى أفراد محددين ونواياهم “الشريرة”، بل هو عنف “موضوعي” بحت، منهجي، ومجهول الهوية”.
يُموّل الإستغلال الجشع للموارد الطبيعية – من الماس في سيراليون إلى النفط في فنزويلا والكوبالت والمعادن الأخرى المتنازع عليها في جمهورية الكونغو الديمقراطية – التمردات ويحوّل الصراع إلى مشروع مربح. ويؤثر الحرمان الإقتصادي والمواجهة الجيواقتصادية من خلال التعريفات الجمركية والعقوبات المُستخدمة كسلاح وصدمات أسعار السلع الأساسية بشكل مباشر على القدرات العسكرية ونتائج الصراع.
الدافع السياسي للعنف
لا ينشأ العنف السياسي من تضارب المصالح فحسب، بل من الإختيار المتعمد لتحقيق الأهداف بالإكراه بدلاً من التفاوض. ويعكس شلل مجلس الأمن الدولي والمؤسسات الديمقراطية ما وصفته آرندت بالإستبداد البيروقراطي: “في بيروقراطية مكتملة الأركان، لا يبقى أحدٌ يُمكن مناقشته، أو عرض المظالم عليه، أو ممارسة ضغوط السلطة عليه… الجميع محروم من الحرية السياسية، ومن القدرة على الفعل… حيث نكون جميعًا عاجزين بالتساوي، يسود علينا الإستبداد بلا مستبد”.
يُجسّد هذا عجز المجتمع الدولي عن فرض المساءلة، إذ تُخلق حق النقض والتنافسات الجيوسياسية فراغًا بنيويًا يزدهر فيه العنف دون رادع. وتجعل الهشاشة السياسية وضعف المؤسسات، كما هو الحال في سوريا وميانمار، المجتمعات عرضةً للإنهيار والتطرف والمعارضة العنيفة.
التفكك المجتمعي
تخلق الظروف المجتمعية مناخاتٍ يصبح فيها العنف أمرًا طبيعيًا من خلال عدم المساواة وتآكل التماسك الإجتماعي. ولا يزال تقييم توماس هوبز القاتم للطبيعة البشرية الجامحة وثيق الصلة بالموضوع: ففي حالة الطبيعة “تكون حياة الإنسان منعزلة، فقيرة، بائسة، وحشية، وقصيرة”. وبينما وصف هوبز حالة ما قبل السياسة، فإن رؤيته تنطبق على المجتمعات التي تنهار فيها الحوكمة ويسودها الخوف، وهي ظروف يعاني منها الآن ملايين الأشخاص الذين يعيشون في نطاق الإشتباكات المسلحة.
إن الأعراف الإجتماعية التي تقبل العنف كوسيلة لحلّ النزاعات، إلى جانب التفاوتات الإقتصادية وغياب المشاركة المجتمعية، تخلق بيئاتٍ يزدهر فيها العدوان. وهذا ييجعل نزع الإنسانية أمرا طبيعيّا ً حيث، كما هو الحال في نيجيريا وإسرائيل وجنوب إفريقيا، يُغذي العنف القائم على النوع الإجتماعي والتوترات العرقية والمظالم التاريخية دوراتٍ متكررة من الوحشية.
القومية والقمع وتواطؤ الدولة
تشمل العوامل على مستوى الدولة التي تُفاقم العنف: الفشل في معالجة التهميش العرقي والتنافس على الموارد وغياب الحوكمة الفعّالة. وقد حذّر والتر بنيامين من علاقة العنف بالقانون وسلطة الدولة، قائلاً: “لا يوجد وثيقة حضارية إلا وهي في الوقت نفسه وثيقة بربرية” (في مفهوم التاريخ، 1940).
تُبرز هذه الملاحظة كيف تُديم المؤسسات الوطنية العنف من خلال هياكلها التأسيسية وممارساتها الإقصائية. وتُظهر الدول التي تقع مرارًا وتكرارًا ضحية للحروب الأهلية والدولية عجز الحكومات عن إدراك ومعالجة القضايا المُزعزعة للإستقرار، مثل التهميش السياسي أو الديني أو العرقي. إن تسخير أجهزة الدولة من خلال التعبئة الشمولية للعنف يُدمر المساحة التي يُمكن أن ينشأ فيها التفكير السياسي والمقاومة، كما يتضح في الصين وإريتريا.
الإستغلال الديني
يُصبح الدين، عندما يتم استغلاله من قِبل الفاعلين السياسيين أو تجريده من جوهره الأخلاقي، عاملًا مُحفزًا قويًا للعنف، يُضفي الشرعية على الإقصاء والوحشية. تُحوّل الإنقسامات الطائفية، سواء في الشرق الأوسط أو جنوب آسيا أو أجزاء من أفريقيا، الهوية إلى ساحة معركة، حيث يُعدّ التنازل هرطقة، والإبادة واجبًا. وتُقدّم لنا رؤية رينيه جيرار دلالات بالغة الأهمية حيث تقول: “يحمينا الدين من العنف، كما يلجأ العنف إلى الدين”. فعندما يُستغلّ الإيمان لتبرير السلطة أو المظالم، كما هو الحال في الهند وإسرائيل والعراق، فإنه يتوقف عن كبح جماح العنف، بل يُكرّسه، مُعمّقًا دوامات الإنتقام، ومُحوّلًا الصراعات إلى صراعات وجودية بدلاً من تحويلها إلى صراعات قابلة للتفاوض.
ويُفسّر هذا التداخل بين هذه الأبعاد سبب تحوّل العنف إلى حالة مُعتادة لا استثناء. لذا، لا بدّ من النظر في عدّة تدابير لخفض حدّة العنف العالمي. ورغم صعوبة إحداث التغيير، إلا أنه يجب بذل كلّ جهد ممكن، شريطة أن يقود الرأي العام المسيرة من خلال الإحتجاجات المُستمرة والمناصرة الدؤوبة والضغط المُتواصل على صانعي السياسات لإحداث التغيير.
إصلاح حق النقض في مجلس الأمن الدولي
يجب على الحكومات تقييد سلطة النقض (الفيتو) من خلال الحد من استخدامها في قضايا الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وينبغي للأعضاء الدائمين الإمتناع عن التصويت عند تورطهم المباشر، الأمر الذي قد يحوّل الفيتو من عرقلة إلى مساءلة ويعالج الشلل المؤسسي الذي يُتيح العنف الجامح.
إنشاء أنظمة إنذار مبكر فعّالة
ينبغي للهيئات الدولية تطبيق أنظمة تربط بين الكشف والإجراءات الوقائية وبذلك تقوم بسدّ الفجوة بين الإنذار والإستجابة. ويجب أن تُدمج هذه الأنظمة التحليلات التنبؤية والخبرات المحلية والتنسيق عبر الحدود لاستباق العنف قبل اندلاعه بأشهر، ما يُتيح التدخل الدبلوماسي والإنساني في الوقت المناسب.
معالجة عدم المساواة الإقتصادية وانعدام الأمن
ينبغي للحكومات تطبيق سياسات تُقلل من عدم المساواة في الدخل – بما في ذلك زيادات الأجور، والإصلاح الضريبي، والمساعدات المالية – بهدف معالجة مُسببات العنف. ويُخفف الإقراض المُوجّه، وخلق فرص العمل، وسياسات إعادة التوزيع من الضغط المالي الذي يُغذي الصراع والجريمة، ما يجعل الوقاية الهيكلية أكثر فعالية من التدابير التفاعلية.
تعزيز سيادة القانون وتيسير الوصول إلى العدالة
يجب على الدول ضمان المساواة في الوصول إلى العدالة من خلال بناء القدرات المؤسسية وأنظمة قانونية شفافة ودعم منظمات المجتمع المدني الرقابية. في ظل وجود 1.5 مليار شخص يواجهون قضايا عدالة عالقة، يمكن للعدالة الوقائية معالجة المظالم قبل تفاقمها وكسر حلقات الإفلات من العقاب.
إعطاء الأولوية للوقاية من خلال الحوار الشامل
ينبغي للمؤسسات العامة الإستثمار في استراتيجيات وقائية ترتكز على الحوار الشامل وسياسات اقتصادية كلية مرنة وإصلاحات تستجيب لاحتياجات الفئات المهمشة. تُمكّن القيادات المحلية ولجان الصمود وجهود حل النزاعات على مستوى القاعدة الشعبية المجتمعات من معالجة التوترات قبل تصاعد العنف.
فرض المساءلة الدولية المنسقة
يجب على الهيئات الدولية تجاوز الإيماءات الرمزية إلى إنشاء آليات قابلة للتنفيذ، بما في ذلك العقوبات متعددة الأطراف، وقيود تدفق الأسلحة، والإستجابات الإنسانية المنسقة. تتطلب الإستراتيجية الشاملة دمج التدابير الدبلوماسية والتنموية وحقوق الإنسان والمؤسسية عبر وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والحكومات الوطنية. الإستجابات المجزأة تُديم العنف، بينما يُوقفه التنسيق المنهجي.
سيظل وباء العنف العالمي يُطاردنا لأجيال قادمة بتكلفة باهظة في الأرواح والثروات ما لم نُدرك نطاقه ونستثمر في الجهود الجبارة اللازمة للبدء في التخفيف من حدة هذه الآفة. يجب أن تكون الأمم المتحدة والديمقراطيات في طليعة هذه الحملة التي تجسد بدقة ما حذرنا منه هؤلاء المفكرون: عالم يملأ فيه العنف الفراغ الذي خلفه انهيار السلطة الشرعية.