All Writings
مايو 1, 2012

استمرار استقلال إسرائيل مرتبط باستقلال الفلسطينيين

في الوقت الذي احتفلت فيه إسرائيل حديثا ً بمرور أربعة وستين عاما ً على استقلالها، من المهمّ أن يفكّر الإسرائيليّون مليّا ً الآن بالمسار الذي اتخذوه وأن يتساءلوا عمّا إذا كان المسار الحالي قابلا ً للإستمرار على المدى البعيد أم لا. لقد أُنجز الشيء الكثير منذ تأسيس الدولة ويحقّ للإسرائيليين أن يكونوا فخورين جدّا ً بما أنجزوه خلال فترة ٍ قصيرة نسبيّا ً من الزمن، غير أنّ هناك في خضمّ احتفالات الإستقلال على أيّة حال غفول خطير "بالجانب المظلم" من إسرائيل، وهو جانب قد يعرّض وجود إسرائيل للخطر أكثر من التهديدات القادمة من إيران أو من أيّة دولة أخرى. وبالفعل، لن يدوم أيّ من إنجازات إسرائيل إذا تجاهلت إسرائيل العاصفة المتجمّعة واستمرّت في مسارها الخطير الحالي.

وفي الوقت الذي حقّقت فيه إسرائيل معجزة ً اقتصاديّة واصفة ً نفسها "بالدولة الناهضة"، يعيش مئات الآلاف من المدنيين الإسرائيليين، بما فيهم ربع النّاجين من المحرقة، تحت خطّ الفقر وتستمرّ الفجوة الإجتماعيّة بين الأغنياء والفقراء في الإتّساع. واستنادا ً إلى منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية فإن إسرائيل اليوم في مرتبة التشيلي والمكسيك والولايات المتحدة الأمريكيّة من حيث مستويات عدم المساواة، فقد وصل الإحباط المتنامي للطبقتين الفقيرة والمتوسّطة ذروته في الصيف الماضي عندما خرج ما يقارب 400.000 مواطن إسرائيلي للشارع مطالبين بفرص متكافئة وكبح جماح الأسعار وتكاليف المعيشة وتوفير السّكن الملائم، والأهمّ من ذلك بكثير هي مطالبة الحكومة ببذل جهود ٍ صادقة ومخلصة للإستجابة لمطالبهم. ويؤكّد التأييد القوي للإحتجاجات (الذي يصل في بعض استطلاعات الرأي لحوالي 90 %) مستوى السّخط السائد حاليّا ً في المجتمع الإسرائيلي، وهو أمرٌ بالتأكيد لم يكن يتخيّله زعماء الصهيونيّة القدامى وفي مقدّمتهم ثيودور هرتسل.
    
وفي الوقت أيضا ً الذي تسعى فيه حكومة نتنياهو جاهدة ً للحفاظ على الهويّة الوطنيّة اليهوديّة للدولة وتطلب من السلطة الفلسطينية الإعتراف بمثل هذه الهويّة، هناك ما يقارب المليون إسرائيلي ممّن تركوا البلد لأكثر من سنة ولم يعودوا اليها. أضف إلى ذلك، فالرأي العام يعبّر لأولئك اللذين تركوا البلد عن تأييده موسوقا ً بعبارات التعاطف معهم ولا يبشّر في نفس الوقت بخير ٍ لمستقبل الهويّة اليهوديّة للدولة.  يوجد تحوّل واضح في موقف الجيل الحالي أشار اليه بشكل ٍ صائب الصحفي المرموق جدعون ليفي بقوله: " إذا كان أجدادنا يحلمون يوما ً ما بجواز سفر إسرائيلي، فهناك من بيننا من يحلم الآن بجواز سفر أجنبي". وأكان الدافع لذلك الفرص المغرية في الخارج أم الخوف والتهجّس من المستقبل، هناك على أيّة حال قلق متزايد حول الإتجاه الذي تسير فيه إسرائيل. وهذا بالتأكيد يتحدّى حلم تجمّع اليهود للعيش في وطنهم حيث أنّهم يخاطرون الآن بأن يصبحوا أقليّة في آخر ملجأ لهم.

وحيث أنّ الحكومة الإسرائيليّة تطلق الآن سيلا ً من التصريحات البليغة حول نيّتها في صنع سلام ٍ مع الفلسطينيين، فإن أفعالها على أرض الواقع تناقض تصريحاتها. فبدلا ً من التحرّك نحو حلّ للمشكلة الفلسطينيّة تتّخذ إسرائيل خطوات أحاديّة الجانب تعرّض أي أمل ٍ لتسوية سلميّة للخطر. وقرار حكومة نتنياهو الأخير شرعنة بأثر رجعيّ ثلاث مستوطنات قائمة على أراضي الضفة الغربيّة ليس بأقلّ من أن يوصف بأنّه تحرّك سافر ومخز ٍ يكشف بوضوح رغبة الحكومة في الإستسلام لنزوات الحركة الإستيطانيّة. فرئيس بلدية القدس نير بركات يشجّع إنشاء مستوطنة جديدة في القدس الشرقيّة، وهذا تحرّك معاد ٍ جدّا ً للفلسطينيين ويهدّد بمحو ما تبقى من أمل ٍ لصنع اتفاقيّة سلام التي تعتبر الشرط الأساسي لوجود إسرائيل كدولة يهوديّة مستقلّة. ونتيجة لذلك قد يختار الفلسطينيّون الآن بدافع ٍ من اليأس والقنوط حلّ الدولة الواحدة الذي سيجبر بدوره إسرائيل للإختيار ما بين دولة ثنائيّة القوميّة بأغلبيّة فلسطينيّة في الحكم أو أن تصبح دولة تمييز عنصري تجني الإستنكار الدّولي ومزيدا ً من العزلة الدوليّة وفي نهاية المطاف عقوبات كاسحة. فهل هذه هي الطريقة التي تحاول بموجبها حكومة نتنياهو أن تحقّق حلم اليهود منذ آلاف السنين في العيش بأمان وسلام ؟!

فبدلا ً من التوجّه للعالم العربي والإسلامي باحتضان مبادرة السّلام العربيّة نجحت إسرائيل في تنفير الثلاثة دول الإسلاميّة التي كانت تتمتّع معها بعلاقات ٍ طيّبة. فمنذ الغارة على السفينة "مرمرة" التي كانت متجهة ً لكسر حصار غزّة في عام 2010 تشهد العلاقات الإسرائيليّة – التركيّة تدهورا ً شديدا ً. فقد استعملت تركيا حديثا ً حقّ النقض ضدّ طلب ٍ تقدّمت به إسرائيل لحضور مؤتمر لحلف الناتو مزمع عقده في هذا الشهر الجاري وانتقدت بشدّة تحرّكات إسرائيل الأخيرة بخصوص برنامجها الإستيطاني. وقد قامت الأردن أيضا ً بإدانة قرار إسرائيل لشرعنة المستوطنات الثلاثة في الضفة الغربية وتعمل إسرائيل الآن على خسارة الدور المهمّ للمملكة الهاشميّة في حلّ المسألة الفلسطينيّة كما تبيّن ذلك في المباحثات الأخيرة التي عقدت في الأردن بين الوفدين الإسرائيلي والفلسطيني. هذا وقد أدّى النهوض السياسي للإخوان المسلمين في مصر إلى زيادة التوتّر بين البلدين. وإلغاء عقد توريد الغاز الطبيعي من مصر إلى إسرائيل في الآونة الأخيرة كان مشحونا ً بتعقيدات ومخاوف سياسيّة. وتبيّن طبيعة التحوّل على الساحة السياسيّة في مصر رغبة جديدة على الجانب المصري في إعادة النظر في واحدة من أهمّ العلاقات الإقليميّة منذ التوقيع على اتفاقيّة السلام الثنائيّة بين البلدين في عام 1979. لقد كانت الحكومات المصريّة ماضيا ً، كما هي أيضا ً حاضرا ً ومستقبلا ً، حسّاسة بشكل ٍ خاصّ تجاه الصّراع الإسرائيلي – الفلسطيني، وعدم وجود حلّ لهذا الصّراع المضني سيبقى دائما ً العقبة الوحيدة أمام تطبيع العلاقات ما بين إسرائيل والعالم الإسلامي. فهل تستطيع إسرائيل البقاء في بحر ٍ من العداء العربي الذي سيصل قريبا ً إلى نصف مليار نسمة ؟

تبيّن أكثر قضيّة تشغل الرأي العام الإسرائيلي في الوقت الحاضر – وهي طبيعة البرنامج النووي الإيراني – التصرّف الشاذّ غريب الأطوار في الغالب لحكومة نتنياهو. فقد صرّح يوفال ديسكين الذي انسحب العام الماضي من منصبه كمدير لجهاز الأمن العام "الشين بيت" (الذي يعادل في الولايات المتحدة مكتب التحقيقات الفيدرالي "إف.بي.آي") في ندوة عامّة بأنّه لا يثق في قيادة نتنياهو وباراك في قضايا تتعلّق بالعلاقات مع إيران، فهي قضايا "تقدّم للجمهور نظرة خاطئة حول القنبلة الإيرانيّة". وأضاف ديسكين قائلا ً:" أنا لا أومن بقيادة تتخذ قرارات استنادا ً إلى المشاعر الدينيّة". وبالرغم من أنّ إيران قد تمثّل تهديدا ً معيّنا ً، غير أنّ الحكومة تغالي في تركيزها على إيران في الوقت الذي يجب فيه أن تركّز على القضايا الملحّة مثل التوصّل لسلام ٍ مع الفلسطينيين وفي نفس الوقت الحفاظ على أمن الدولة وهويتها الوطنيّة وسلامة أراضيها.
   
وقد كان الرئيس السابق لجهاز الإستخبارات الإسرائيلي "الموساد" أشدّ حتّى حدّة ً في انتقاداته لحكومة نتنياهو عندما صرّح قبل بضعة أسابيع فقط بقوله:"نحن في وضع ٍ فيه الأجندة الوطنيّة والتخطيط الطويل الأمد ومعالجة المشاكل العاجلة أو المشاكل الوطنيّة الحسّاسة من الناحية السياسيّة غير موجودة بكلّ بساطة. الشيء الوحيد الذي يهمّ القادة هو الإبقاء على الإئتلاف الحكومي". وقد عبّر عن نفس القلق والمخاوف جوقة من كبار المسئولين الإسرائيليين السابقين منهم رئيس الوزراء السابق ايهود أولمرت، وغابي أشكنازي رئيس الأركان السابق لجيش الدفاع الإسرائيلي وأليزر شكيدي القائد السابق للقوات الجويّة وحتّى رئيس الأركان الحالي للجيش الإسرائيلي بيني غانتس. لقد اقترحوا جميعا ً، بشكل ٍ أو بآخر، بأنّه بالرغم من ضرورة أن تبقى إسرائيل متيقّظة وحذرة بالنسبة للبرنامج النووي الإيراني ومستعدّة لأيّ احتمال، غير أنّ تصريحات نتنياهو الميّالة للحرب حول إيران تعتبر تصريحات خطيرة.

يجب أن تُعطى الدوبلماسيّة الوقت الكافي لكي تعمل ومهاجمة المنشآت النووية الإيرانيّة يجب أن يكون فقط الملاذ الأخير ويجب أن يتمّ بالتنسيق التامّ مع الولايات المتحدة الأمريكيّة،  هذا مع احتفاظ إسرائيل بخيار ضرب منشآت إيران النوويّة حتّى ولو كان ذلك من جانب ٍ واحد في حالة لم تنجح الدوبلماسيّة مع العقوبات المفروضة على إيران أو في حالة وصول إيران نقطة اللارجوع لحيازة الأسلحة النوويّة، وأخيرا ً إذا كانت الولايات المتحدة غير مستعدّة بسبب ظروف ٍ معيّنة لاتخاذ إجراء عسكري. عدا ذلك سيكون للعمل المبتسر ضد إيران عواقب كارثيّة على مستوى العالم تُلام عليها إسرائيل لوحدها وستعاني هي بالذات عواقب لا يمكن تصوّرها.

قد يعتقد المرء أنّه نظرا ً للتهديد الذي يلوح في الأفق ضدّ أمن إسرائيل القومي، إن لم يكن ضدّ وجودها، سيطالب الإسرائيليون قادتهم بوحدة الصفّ والهدف بالتلاحم حول حركة ٍ واحدة تضع المصالح الوطنيّة، لا الطموحات الشخصيّة الفرديّة، في المقام الأول. ولكن للأسف، فبدلا ً من تشكيل مثل هذه الحركة من الوسط وأحزاب يسار الوسط  واليسار والإتفاق على إطار ٍ عام للسّلام مع الفلسطينيين، تجد التشرذم السياسي والإنتهازيّة هو ما يميّز الموقف على الساحة السياسيّة في إسرائيل في الوقت الحاضر. وهنا يجب التذكير بأنّ الإنقسام والإقتتال الداخلي هما اللذان دمّرا إسرائيل التوراتيّة. وأولئك اللذين يطمحون للقيادة عليهم أن يأخذوا درسا ً أو اثنين من تاريخ اليهود المفعم بالعبر. ففي الوقت الذي تتّجه إسرائيل فيه نحو انتخابات برلمانيّة جديدة (لربّما ستعقد في الخريف القادم) ترى العديد من الأحزاب السياسيّة تتولّد وتتكاثر كالفطر وتزرع البذور لمزيد من الإنقسام والصراعات الداخليّة التي قد تسمح في النهاية لنتنياهو وزمرته بالفوز مرّة أخرى في هذه الإنتخابات، الأمر الذي سيضع إسرائيل على حافّة كارثة قوميّة.

لقد أعطى أب إسرائيل الحديثة، ديفيد بن غوريون، للشعب الإسرائيلي نصيحة وهي أن يتعاملوا مع الفلسطينيين بتحفّظ وحكمة. فإذا أرادت إسرائيل أن تحتفل باستقلالها على مدى الأربعة والستين عاما ً القادمة، لا بل لفترة العشرة أعوام القادمة، وبكثير ٍ من الثناء والتملّق لتقدّمها، عليها تصحيح أخطائها وتغيير مسارها الحالي وقبل كلّ شيء آخر أن تعمل بدون كلل للتوصّل إلى اتفاقيّة سلام مع الفلسطينيين.

TAGS
غير مصنف
SHARE ARTICLE