All Writings
نوفمبر 14, 2006

ثلاثة خرافات وواحدة

بقلم: أ.د. ألون بن مئيـــــر
أستاذ العلاقات الدولية بمركز الشئون الدولية بجامعة نيويورك
ويلقي محاضرات حول المفاوضات الدولية ودراسات الشرق الأوسط

حان الوقت لإدارة بوش أن تتحرّر من وهم ثلاثة خرافات إذا أرادت أن تجد طريقاً للخروج من مستنقع العراق: فخلافاً لما تعتقد الإدارة, لن يكون هناك نصر في العراق ولن يكون هناك ديمقراطية على النمط الغربي والعراق ليس محطة مركزية بل محطة مرور في القتال ضد الإرهاب. ولنجاح الإدارة, فإن أية توصيات قد تقدمها لجنة بيكر- هاملتون قريباً للرئيس يجب أن تعتمد على اعتبارات تؤخذ بعناية للوقائع على الأرض والتي تفنّد خرافات الإدارة الثلاثة.

أمل النصر: لا يمكن إحراز النصر بأي مفهوم كلاسيكي ضد ثورة ذات عزيمة قويّة وإليك الأسباب: تخوض الولايات المتحدة حرباً غير تقليدية يوفّر لها اللاتماثل في قوّة النيران فوائد محدودة فقط, غير أن هذه الفوائد تتعادل على أية حال مع التأييد الشعبي الغير محدود تقريباً الذي يحظى به الثوار والذي يستمدون منه موارد بشرية ومالية هائلة. إضافة إلى ذلك, فإن عجز واشنطن عن توفير الخدمات الاجتماعية المناسبة والأمن، خصوصاً للعراقيين السنيين, قد جعلت في هذه المرحلة الأمر مستحيلا لإبعاد هذه المجتمعات عن الثوار. أضف إلى هذه الصعاب أيضاً عدم قدرة الولايات المتحدة والحكومة العراقية على احتواء المذابح الطائفية التي تهدف إلى تمزيق البلاد إلى أجزاء. والأهم من ذلك، فمع خسارة السنة السلطة دون أمل في إرجاعها حوّلت قتال الثوار من طبيعته السياسية إلى قتال وجود. ولهذا السبب, فإن أية زيادة في عدد القوات الأمريكية قد يؤدي, كما يقول السيناتور ماك كين, إلى قتل المزيد من الثوار ولكنه أيضاً سيزيد من شدة مقاومتهم, حيث يمثل عدم الخوف من الموت، والموت من أجل قضية، أسمى أشكال الشهادة بالنسبة للثوار.

لا للديمقراطية على النمط الغربي: نظراً لتاريخهم الطويل في الخضوع للأنظمة السلطوية المستبدة – التي كان خلالها الإسلام وما زال عاملاً مسيطراً – ونظراً للقبلية والطائفية التي تعتمد على التوجه الديني أو الحضاري, تفضّل معظم المجتمعات العربية, خصوصاً العراق, إصلاحاً تدريجياً بدلاً من الإصلاح الراديكالي. أضف إلى ذلك, فإن الولاء التقليدي للعائلة وللقبيلة يقوّض بالفطرة أهمية الأسس الديمقراطية للحكم مثل المشورة والرضا والإجماع وحكم الأغلبية. لم تقلّص

الانتخابات وتمرير دستور جديد في العراق لا من حدّة الثورة ولا من المذابح الطائفية. والعراقيون يرفضون عموماً فكرة زنق الديمقراطية "غربية الطراز" في
حلوقهم بقوة السلاح. وبالنسبة للشيعة فإن احتضان الديمقراطية يوفر لهم الوسيلة الوحيدة للوصول إلى السلطة في العراق, وسيكونون أوّل من يتخلّى عن الأسس الديمقراطية عند توطيد سلطتهم. وأخيراً, فبوجود المزاحمات والمنافسات الشديدة والمستمرة, حتى بين المجموعات الشيعيّة المختلفة والأحزاب السياسية, فمن المشكوك فيه أن يتمكن الشيعة من مسك زمام أمور البلاد لا عن طريق الحكم السلطوي ولا بالديمقراطية. لم يسبق الانتخابات لا بناء المؤسسات الديمقراطية ولا التطور الاجتماعي والاقتصادي الذي يساعد على خلق ديمقراطية مستقرة. بل على العكس من ذلك, فالعراق في أحسن الأحوال يتجه سريعاً نحو ديمقراطية ضيقة الفكر ومتعصبة شبيهة بالنظام السلطوي التي قد تضطر أمريكا لاحتضانه من أجل استقرار البلاد.

العراق ليست محطة مركزية في الحرب على الإرهاب: هذه خرافة أخرى رسّختها الإدارة عبر ربط العراق مراراً وتكراراً بالإرهاب الدولي قبل وبعد الحرب بالرّغم من أنه لم تثبت أيّة علاقة ما بين صدام حسين والقاعدة. ولكن بعد سقوط بغداد, أصبح العراق مأوى جديداً لمجموعات إرهابية متعددة جعلته هدفاً لاختيار مهاجمة الأمريكيين. إن جميع التقديرات الاستخباراتية الأمريكية تقول بأنّه وبسبب الحرب قد أصبح العراق ميداناً لتدريب الإرهابيين حاضراً ومستقبلاً, منصّة زنبركيه يقفزون منها لإرهاب العديد من الدول داخل وخارج المنطقة. وتبيّن دراسة نشرت حديثاً لوزارة الخارجية حول الإرهاب بأن عدد هجمات الإرهابيين قد يصل في الواقع لرقم قياسي يزيد عن 11.000 هجوماً في عام 2005, واحتلال العراق إذاً وبكل بساطة يزيد من عدد الهجمات الإرهابية بدلاً من تقليصها. والحرب ضد المجموعات الأصولية الإسلامية لم تبدأ ولن تنتهي في العراق. وكلّما أسرعت الإدارة في التسليم بهذه الحقيقة كانت أسرع في التمكن من تدبير إستراتيجية أفضل لمحاربة الإرهاب الدولي واحتواء حركة الجهاد المتطرفة.

وفي الختام, هناك خرافة أخرى يتم تداولها الآن وهي أنه في حالة منح الوقت الكافي سيكون هناك أعداد كافية من قوات الأمن العراقية المدرّبة والمجهّزة بشكل جيد لتحلّ محل القوات الأمريكية سامحةً بانسحاب تدريجي لهذه القوات. وهنا يغلب أيضاً التمني على الحديث العملي والمنطقي. لقد تم اختراق قوات الأمن والشرطة العراقية بشكل فظيع من قبل مختلف المليشيات التي تعمل بأمر أو بإشارة

من الأحزاب السياسية المختلفة المرتبطة بها بشكل وثيق. لا تستطيع أية حكومة عراقية تطهير هذه القوات دون المخاطرة بقاعدة سلطتها ودون التسبب بتصعيد أكثر دمويّ من العنف الطائفي الواسع الانتشار.

وإذا تعذّر الحصول على النصر يتعذّر دعم الديمقراطية وترسيخها. وفي الوقت الذي يبقى فيه التركيز على محاربة الإرهاب في العراق في غير محله, يجب على أية إستراتيجية خروج تحتفظ بكرامتها أن تأخذ بعين الاعتبار الواقع الذي يجد العراق نفسه فيه. وقد يقدّم تقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات تتمتع بحكم ذاتي وترتبط مع بعضها البعض بروابط فيدرالية مرنة مع توزيع منصف للنفط أو لعائداته الحل الذي أفلت حتى الآن من يد إدارة بوش.

TAGS
غير مصنف
SHARE ARTICLE