All Writings
مايو 23, 2018

صربيا وتركيا وروسيا – أجراس إنذار لأوروبا

بقلم: أ.د.ألون بن مئير وأربانا شهارا

في الوقت الذي يسعى فيه الإتحاد الأوروبي لزيادة نفوذه في البلقان، تعمل روسيا وتركيا جاهدتين لتقوية روابطهما الخاصة بالمنطقة. وقد أثار اهتمام الإتحاد الأوروبي المتجدد في فنائه الخلفي الجنوبي مخاوف من تأثير موسكو المتصاعد في البلقان. وبالرغم من أنّ أقرب حليف أوروبي لروسيا هي صربيا ، فهي ليست الدولة الوحيدة ذات التاريخ الطويل في البلقان. تركيا هي الأخرى من الوزن الثقيل وتكتسب دعماً كبيراً من مسؤولين فاسدين في البلقان. وكروسيا ، تستثمر تركيا في المشاريع الوطنية الكبرى التي يتم حسابها بشكل إستراتيجي ، بحيث يكون لها الأثر الاقتصادي والسياسي الأعظم على السوق المالية.

ولإظهار التزامه تجاه صربيا قال أردوغان في مؤتمر صحفي مشترك عقد في 7 مايو في أنقرة مع رئيس صربيا ألكسندر فوشيك أن الهدف لعام 2018 هو 2 مليار دولار ليبلغ 5 مليارات دولار على المدى الطويل. ومن بين أكبر المشاريع ، سيعزز طريق بلغراد – سراييفو السريع العلاقات الإقليمية والإقتصادية. وشكر فوشيك أردوغان على “استقرار” البلقان ، معلناً أن “تركيا هي أكبر قوة وأقوى دولة في البلقان”.

وفي 17 مايو خلال قمة الإتحاد الأوروبي وغرب البلقان التي عقدت في بلغاريا، أعرب القادة الأوروبيون عن قلقهم من نفوذ تركيا وروسيا المتزايد في منطقة البلقان ، لا سيما وأن البلقان كانت ذات يوم جزءًا من الإمبراطورية العثمانية ولاحقا ً تحت ظلّ الإتحاد السوفياتي. لقد أوضح أردوغان موقفه المجرّد من القيم والمبادىء للقوى الغربية مؤكدًا أن تركيا ستصبح قوية ومؤثرة كما كانت الإمبراطورية العثمانية في أوجها.

تعتبر روسيا صربيا حليفها الأكثر ثقة في أوروبا وتستثمرفيها بكثافة في المشاريع الكبيرة ، وخاصة في قطاع الطاقة. وعلى الرغم من أن فوشيك يدرك أنه يتلقى دعمًا كبيرًا من بوتين ، إلا أنه يعزز تحالفه مع تركيا أيضًا. وفي حين تتنافس روسيا وتركيا على النفوذ في صربيا، فإنهما لا يزالان يتعاونان بسبب معارضتهما المشتركة لمشاركة الإتحاد الأوروبي المستمرة والموسعة في البلقان.

يسعى فوشيك للإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي وبناء علاقة ثلاثية مع روسيا وتركيا التي تتحدى القيم والمصالح الغربية مباشرة. لكن فوشيك لا يستطيع على أية حال “الرقص” في حفلتين في نفس الوقت. أطلق التحالف الهيسانتي الغربي أجراس الإنذار في الإتحاد الأوروبي ووضع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنقرة وموسكو في نفس الضوء قائلا ً إنه لا يريد “البلقان الذي يتجه نحو تركيا أو روسيا”.

لا يزال الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأكبر لصربيا ؛ ومع ذلك ، فإن صربيا تعتمد بشكل كبير على المعدات العسكرية الروسية والتي تعرّف بطرق عديدة العلاقات الروسية والصربية. هناك ما يقرب من 1000 شركة في صربيا مملوكة جزئياً أو كلياً للروس وبإيرادات تقدر بـ 5 مليار يورو. ففي أكتوبر 2017 ، اشترت صربيا ست طائرات مقاتلة روسية.

وتظهر الدراسات أن معظم الصرب مؤيدون لروسيا ويعتبرون الإتحاد الأوروبي غير مرغوب. إنّهم يتذكرون جيدا ً بأن القوى الغربية قصفت بلدهم بشدة في عام 1999 أثناء الحرب مع كوسوفو. وفي زيارة له آخر العام لبلغراد أكّد ديمتري روغوزين، نائب رئيس الوزراء الروسي، بأن:”صربيا لن تنضمّ أبدا ً للإتحاد الأوروبي”.

يدرك الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أن صربيا لا تزال “الكبش الأسود” في غرب البلقان حيث تراقب روسيا ظهرها. والإتحاد الأوروبي ببساطة يسجل ما يفعله الرئيس الروسي بوتين في صربيا ولا يتوقع أن يغير أردوغان أسلوبه الديكتاتوري طالما كان حزبه، حزب العدالة والتنمية، في السلطة حيث لا أحد منهما يتماشى مع الثقافة الإجتماعية والسياسية للغرب.

وفي محادثة أجريناها مع فيران ماتيك ، مؤسس ومدير محطة الإذاعة والتليفزيون B92 في بلغراد ، قال إن فوشيك مهتم بالتأكيد بإقامة علاقات جيدة بين صربيا وروسيا. وأضاف أن صربيا تريد أن تكون مرتبطة بخط أنابيب الغاز التركي (حيث أن صربيا تعتمد على الغاز الروسي ، لكن لا توجد إمكانية لإرساله مباشرة إلى صربيا).

“بالنسبة لصربيا” ، قال ماتيك ، “الإستثمارات مهمة للغاية ، لكن من ناحية أخرى ، نشعر بالقلق إزاء علاقات جيدة للغاية مع النظام المعترف به كدجّال عالمي لحرية الإعلام ومع دولة سجنت أكبر عدد من الصحفيين في جميع أنحاء العالم.”

وفي حديث مع كمال أحمدي ، مؤرخ وفيلسوف ، قال إن الإجتماعات المتكررة بين إيران وتركيا وروسيا والتي تليها أنشطة في المناطق التي تعمل فيها، تكشف بوضوح عن معالم تعاونهما في الشرق الأوسط وفي البلقان. وقال “هاتان القوتان” اتفقتا على مجال نفوذهما وهما يعملان على جدول أعمالهما ضد عدوهما المشترك ، الولايات المتحدة. “

يقول أحمدي :”إن ما يسمى بالعقيدة السامية الشيعية ، قومية بوتين السلافية ، وعثمانيو أردوغان الجدد قد ابتكروا تحالفاً ضد أجندة الإتحاد الأوروبي الإستراتيجية التي تعمل الآن في البلقان”. وفي الوقت نفسه تمكنت صربيا من الحصول على كلتا الطريقتين ،أي النظر في وقت واحد إلى الشرق والغرب.

وبالرغم من أن الإعتراف باستقلال كوسوفو يبقى الشرط الأساسي للإتحاد الأوروبي لعضوية صربيا ، فإن إيلينا غوسكوفا من معهد الدراسات البلقانية في الأكاديمية الروسية في موسكو تقول بأن التعاون مع الجيش الروسي هو “ضمان للسلامة” للكثير من الصرب.

سعى فوشيك إلى مواصلة دعم موسكو لكوسوفو وأعاد تأكيد معارضته للإنضمام إلى عضوية حلف الناتو حيث أصبح أول زعيم أجنبي يلتقي بوتين منذ أن بدأ الأخير آخر ولاية له كرئيس لروسيا. وقال فوشيك خلال زيارته إلى الكرملين: “صربيا ستحافظ على استقلالها ، وستحتفظ صربيا بحيادها العسكري ، ولا تخطط صربيا لأن تصبح عضوًا في حلف الناتو أو أي تحالف عسكري آخر”.

قال بليريم لطيفي، أستاذ الفلسفة في جامعة بريشتينا ، إن هذا “التحالف” بين تركيا وروسيا وصربيا يمثل ضربة لوحدة ووظيفة حلف الناتو ، وأي ضربة لحلف الناتو لها آثار سلبية على الأمن القومي في البلقان. “

وفي حين أن بوتين لا يخفي عدائه تجاه التحالف الغربي ويحاول تقويض المصالح الغربية في أي مكان يستطيع فيه أن يفعل ذلك ، فإن أردوغان يريد أن يحصل على كلا الطريقين. هو يريد الحفاظ على عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو) و يرغب في الإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي، غير أنه يعمل بجد لتقويض المصالح الإستراتيجية للإتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو) في البلقان من خلال ترسيخ تركيا في صربيا على وجه الخصوص لخدمة مخططه الخبيث.

ينبغي على الإتحاد الأوروبي أن يحذر صربيا من أنه يجب عليها أن تزن خياراتها بعناية وأن تقوم بالاصلاحات الإجتماعية – السياسية والإقتصادية اللازمة إذا أرادت أن تصبح عضوا في الإتحاد الأوروبي. لن يكون لصربيا أي فرصة للإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي إذا كانت تربطها علاقة إما مع أردوغان أو بوتين.

وللتأكيد، يجب على صربيا أن تدرك الآن أن إمكانية الديمقراطية المستدامة والحرية والنمو الإقتصادي ترتكز على الإرتباط الوثيق مع الإتحاد الأوروبي. وينبغي أن تنأى بنفسها عن الدكتاتوريين القساة الذين يدعون أنهم منقذو البلقان في حين أنهم يستغلون هشاشة المنطقة من أجل مصالحهم الاستراتيجية الطويلة الأجل.

TAGS
غير مصنف
SHARE ARTICLE